من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد العقول

جابر محمد الشعيبي
جابر محمد الشعيبي

قد تمتلك دولةٌ ثرواتٍ طبيعية هائلة، لكنها تظل معتمدة على تقنيات يصنعها الآخرون.

وقد تفتقر دولة أخرى إلى الموارد، لكنها تمتلك المعرفة التي يحتاج إليها العالم. فأيهما أكثر قدرة على صناعة المستقبل؟

لم يعد هذا السؤال افتراضياً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتغير موازين القوة الاقتصادية، وتتحول الخوارزميات والملكية الفكرية إلى أصول استراتيجية لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية. وبين امتلاك الثروة وامتلاك أدوات إنتاجها، تتشكل معادلة جديدة للتنافسية الاقتصادية.

لقد كانت الموارد الطبيعية تاريخياً مصدراً رئيسياً للنفوذ الاقتصادي، غير أن التحولات التكنولوجية أعادت تعريف مفهوم الثروة.

فالقوة الاقتصادية لم تعد ترتبط بحجم الموارد ورؤوس الأموال وحدها، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة وامتلاك حقوقها وتحويلها إلى منتجات وخدمات تنافس في الأسواق العالمية.

وتقدم دولة الإمارات تجربة مهمة في هذا التحول؛ إذ وظّفت عوائد مواردها الطبيعية في بناء اقتصاد متنوع، يتوسع في القطاعات المعرفية والتكنولوجية.

ووفقاً لبيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 79.2 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنسبة 78.1 % خلال الفترة ذاتها من العام السابق، بما يعكس استمرار التحول في هيكل الاقتصاد الوطني.

وفي مؤشر آخر، تقدمت الإمارات إلى المرتبة الخامسة والعشرين عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، متقدمة خمسة مراكز عن العام السابق. كما احتلت المرتبة الثانية عشرة عالمياً في مدخلات الابتكار، مقابل المرتبة الثانية والأربعين في مخرجاته.

وهذا التفاوت، رغم اختلاف طبيعة المؤشرين، يطرح قضية تستحق الاهتمام: كيف يمكن تعظيم القيمة الاقتصادية المتولدة من الاستثمارات المعرفية والتكنولوجية؟

إن التحدي المستقبلي لا يتمثل في حجم الاستثمار في التكنولوجيا وحده، وإنما في طبيعة الأصول التي يتركها داخل الاقتصاد الوطني. فهناك فرق بين اقتصاد يشتري الحلول التقنية ويستخدمها، واقتصاد يمتلك المعرفة التي تقوم عليها، ويشارك في تطويرها وتسويقها عالمياً.

ومن هنا، تبرز أهمية تبنّي مفهوم (العائد الوطني المعرفي على الاستثمار)، بوصفه إطاراً اقتصادياً مقترحاً لقياس ما تضيفه الاستثمارات التكنولوجية إلى الاقتصاد، ليس من أرباح مالية فحسب، بل من حقوق ملكية فكرية، وتقنيات قابلة للتصدير، وقدرات إنتاجية ومعرفية تستقر داخل الدولة.

كما أن المرحلة المقبلة تستدعي توجيه الاستثمارات نحو امتلاك مواقع مؤثرة في سلاسل القيمة العالمية للتكنولوجيا، ولا سيما في المجالات التي تمتلك فيها الإمارات فرصاً لبناء ميزات تنافسية متخصصة. فليس ضرورياً إنتاج جميع مكونات التكنولوجيا محلياً، وإنما امتلاك المعرفة والحقوق والحلقات الاقتصادية التي تولّد أعلى قيمة مضافة.

إن الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد العقول لا يعني الاستغناء عن الثروات الطبيعية، بل تحويل عوائدها إلى أصول معرفية منتجة، قادرة على توليد الثروة عبر الأجيال.

فالموارد تمنح الدول الثروة، أما امتلاك المعرفة فيمنحها القدرة على تجديدها.