«لن تجمعنا ساحات الجغرافيا والتاريخ والدم وتفرقنا ساحات الإعلام» هذه كانت العبارة الحاسمة التي وردت في رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وتُعتبر من وجهة نظري صافرة الحكم والكارت الأحمر الذي رفعه حكم المباراة للإعلام المنفلت الذي ساد ساحات التواصل الاجتماعي.
حيث الخطاب المفرق والمعزز للانقسام والباث للكراهية، مما يخدم كل من لا يحب للخليج خيراً وينفع من أراد بنا سوءاً، وحيث تركت الأمور بلا تدخل مسؤول حتى انفلت الزمام ولم يتدخل أحد لوقف ذلك العبث الممنهج والمدفوع من قوى أخرى غير خليجية؛ وكل من أراد سوءاً بنا فرح لهذه الفرقة وتلك المعارك الإعلامية العبثية، ومع الأسف تم وقوع العديد من المعروفة أسماؤهم (أو: تم وقوع العديد من الأسماء المعروفة) واستدرجوا لذلك الفخ المنصوب لنا.
فجاءت كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لتطلق صافرة الإنذار العالية وتوقف ذلك العبث وتخرج البطاقة الحمراء؛ فتوقف الحبر الأسود الذي انسكب ورسم خطوطاً فصلتنا عن بعضنا، لكنها كانت كخيوط العنكبوت أو أكثر وهناً.
قال كلمته: «لن تجمعنا الجغرافيا والتاريخ والدم وتفرقنا ساحات الإعلام» ليضع الأمور في نصابها الصحيح بأن ما يجمعنا كل شيء وما يفرقنا انفلات تعبيري لا يجوز ولا ينتمي أصلاً لنا ولم نعتد عليه.
نختلف؛ أمر طبيعي، تتباين مصالحنا أحياناً؛ أمر متوقع، ولكن لكل اختلاف ضوابط تجعل منه ملفاً يحتاج إلى جهود إعلامية مكثفة ومنضبطة لحصره ولعدم تسلله لبقية الملفات وتعطيلها، هذا هو دور الإعلام الحقيقي والفعال.
جعل المياه تستمر في الجريان بيننا وتعزيز قواسمنا وقت اختلافاتنا وتحويلها إلى فرص لمزيد من التكامل، أو كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في رسالته:
«الأنهار المختلفة حين تصبّ في بحر واحد لا تفقد أسماءها بل تخلق محيطاً من الفرص والثروة والقوة»، يا له من تعبير يختصر ضوابط الخلاف ويعرف معنى الثراء في تنوع الآراء ويضع خارطة طريق للخطاب الإعلامي المسؤول والمتزن في أوقات الشدة وهنا هو الامتحان.
أو كما عبر عنه في جملة أخرى اختصرت المفيد كما يقال: «القوة لا تكمن في إلغاء الاختلافات، بل في إدارتها لتخلق حيوية ونمواً حضارياً جديداً»، أي تجعل من اختلاف رؤانا في بعض الملفات فرصة للاستفادة وفرصة لتبادل المنافع وفرصة لمزيد من تعزيز الأواصر القوية التي منحتها لنا الطبيعة ووظفها أجدادنا لصالح شعوبنا.
الحمد لله أن الحكمة باقية بيننا في دول الخليج، إذ قال تعالى في سورة البقرة
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).
فالرسالة التي كتبها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كانت حكمة فيها كل الخير لأبناء دول مجلس التعاون، منح بها الإعلام الخليجي، سواء منها الرسمي أو الرقمي الشعبي أو حسابات التواصل الاجتماعي، خارطة للطريق ومنارة نهتدي بها في تناول شؤوننا الخليجية وملفاتنا المتفق عليها والأهم ملفاتنا المختلف عليها، وحملت الرسالة توجيهاً للمسؤولين الخليجيين أن لا ينتظروا التوجيه بل عليهم التدخل قبل أن ينفلت الزمام وإعادة الأمور لنصابها.
