قبل أيام، احتفلت الأمم المتحدة بمرور واحد وثمانين عاماً على تأسيسها، تعاقب خلالها تسعة أمناء عامين، جميعهم رجال.
في الأسبوع نفسه، رشحت الإمارات معالي لانا زكي نسيبة لخلافة أنطونيو غوتيريش، لتدخل دبلوماسية عربية سباق قيادة منظمة تضم 193 دولة، وتفتح احتمالاً تاريخياً بأن تصبح أول امرأة تتولى المنصب. تزامن يجمع بين تجربة دولة استثمرت في بناء كفاءاتها الدبلوماسية، ومؤسسة دولية تبحث عن قيادة جديدة في واحدة من أصعب مراحل تاريخها.
تعرف لانا نسيبة الأمم المتحدة من داخل غرف التفاوض وصناعة القرار، فقد أمضت أكثر من عقد ممثلة للإمارات في نيويورك، وترأست مجلس الأمن خلال فترتي الرئاسة الإماراتية، وبرز دورها في المفاوضات التي أفضت إلى اعتماد القرار 2720 بشأن إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، والذي حظي بتأييد ثلاثة عشر عضواً وامتناع الولايات المتحدة وروسيا عن التصويت، وفي مؤسسة تتقاطع داخلها مصالح القوى الكبرى، تصبح القدرة على تقريب المواقف وبناء التوافقات مهارة أساسية، وهي خبرة راكمتها نسيبة في ملفات كان الوصول فيها إلى اتفاق تحدياً دبلوماسياً بحد ذاته.
هذا الحضور يعكس مساراً إماراتياً أوسع في إعداد القيادات الدبلوماسية وتمكين المرأة من الوصول إلى مواقع صنع القرار، فالنساء يشكلن نحو نصف العاملين في وزارة الخارجية، ونحو ستين بالمئة من خريجي أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، فيما يتسع حضور الإماراتيات في مناصب السفيرات والممثلات الدائمات لدى المنظمات الدولية.
هذه المؤشرات تكشف منظومة تربط التأهيل الأكاديمي بالممارسة الدبلوماسية، وتمنح الكفاءات فرصة الانتقال من تمثيل الدولة إلى المشاركة في صياغة القرارات الدولية، لذلك حظي ترشيح نسيبة بتأييد دول مجلس التعاون الخليجي بالإجماع، ودولة فلسطين التي أشادت بخبرتها الدبلوماسية ودورها في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، فضلاً عن دعم عربي ودولي واسع.
ولفهم حجم التحول في حضور المرأة داخل الدبلوماسية الدولية، تكفي العودة إلى مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، حين شاركت ثماني نساء فقط بين نحو 850 مندوباً اجتمعوا لصياغة ميثاق الأمم المتحدة، التي نشأت من رماد حرب عالمية أودت بحياة عشرات الملايين.
وبعد ثمانية عقود، أصبحت المرأة تقود بعثات دبلوماسية وتتفاوض على قرارات الحرب والسلام، فيما بقي المنصب الأعلى في المنظمة حكراً على الرجال.
ومع اتساع عضويتها من 51 دولة مؤسسة إلى 193 دولة، ظلت بنيتها الأساسية تحمل موازين القوى التي صاغت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً داخل مجلس الأمن.
اليوم تواجه المنظمة تحديات تختلف في طبيعتها واتساعها عن العالم الذي صُممت لإدارته، من الحرب في أوكرانيا وتداعيات الصراع في غزة إلى المنافسة بين القوى الكبرى، وأزمات المناخ والهجرة، وصعود الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملاً جديداً في موازين القوة، وتتعاظم هذه التحديات مع الضغوط المالية التي أدت إلى خفض الميزانية العادية لعام 2026 إلى 3.45 مليارات دولار.
في رؤيتها للمنظمة، تطرح نسيبة الدبلوماسية المبكرة، وبناء اتفاقات جزئية تمنع توسع الصراعات، وإصلاح الإدارة الأممية وربط الموارد بنتائج قابلة للقياس، وهي مقاربة تعيد إلى الواجهة سؤالاً يرافق الأمم المتحدة منذ عقود حول قدرتها على مواكبة التحولات الدولية وتحويل قراراتها إلى نتائج ملموسة.
لكن اختيار من يقود هذه المؤسسة يظل محكوماً بمعادلة سياسية تعود إلى ميثاق تأسيسها، فالجمعية العامة تعيّن الأمين العام بناء على توصية مجلس الأمن، ويحتاج المرشح إلى تسعة أصوات من أصل خمسة عشر، مع تجنب اعتراض أي من الدول الخمس الدائمة العضوية.
في عام 1996 حصل المصري بطرس بطرس غالي، أول أمين عام عربي، على تأييد أربعة عشر عضواً لتجديد ولايته، لكن الفيتو الأمريكي أوقف القرار، وبعد ثلاثين عاماً، تستمر المعادلة نفسها، حيث تتقاطع خبرات المرشحين ورؤاهم مع حسابات القوى الكبرى، ويصبح بناء التوافق بين العواصم الخمس جزءاً حاسماً من السباق.
ترشيح لانا نسيبة يحمل دلالة على موقع الدبلوماسية الإماراتية في النظام الدولي، وعلى المسافة التي قطعتها المرأة الإماراتية من المشاركة إلى المنافسة على أعلى المناصب الدولية، فالدولة التي انضمت إلى الأمم المتحدة بعد أيام من قيام الاتحاد عام 1971 أصبحت اليوم تقدم إحدى دبلوماسياتها لقيادتها، ويبقى الامتحان الأكبر أمام المنظمة نفسها، بعد واحد وثمانين عاماً من تأسيسها، في قدرتها على تجديد أدواتها واستعادة فاعليتها في عالم تغيرت فيه موازين القوة وأشكال الصراع، فيما ظلت قواعد اتخاذ القرار أسيرة التوازنات التي وُلدت قبل ثمانية عقود.