ليست العبقرية أن ترى الأشياء كما يراها الآخرون، وإنما أن ترى ما لا يراه غيرك، وأن تستشرف المستقبل قبل أن تتضح معالمه، وأن تمتلك الشجاعة لتحويل الأفكار إلى مشروعات، والأحلام إلى واقع، والرؤية إلى إنجازات تتحدث عن نفسها.
وحين نتأمل تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ندرك أننا أمام مدرسة استثنائية في القيادة، استطاعت أن تختصر الزمن، وأن تحول مدينة محدودة الموارد الطبيعية إلى واحدة من أكثر مدن العالم حضوراً وتأثيراً في الاقتصاد والتجارة والسياحة والاستثمار.
ولست أكتب عن هذه التجربة اعتماداً على ما قرأته أو شاهدته فحسب، وإنما أكتب أيضاً من واقع مواقف عشتها، ولقاءات حضرتها، ومشروعات رأيتها في بداياتها أفكاراً ورسومات ومجسمات، ثم شهدت تحولها إلى معالم عمرانية وحضارية يقصدها الناس من مختلف أنحاء العالم.
حين تتحول المجسمات إلى مدن
أذكر موقفاً شخصياً ما زال حاضراً في ذاكرتي، حين كنت ضمن المجموعة التي ترافق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أثناء تجوله في أجنحة معرض سوق السفر العربي في دبي.
وخلال تلك الجولة، توقف سموه في جناح شركة إعمار أمام مجسمات لمشروعات عمرانية، من بينها مباني المرسى والجي بي آر، وكانت تقدم صورة لما ستصبح عليه تلك المشروعات في المستقبل.
وأمام تلك المجسمات، تحدث سموه عن تحول المخططات والرسومات إلى حقائق على الأرض. واستعاد موقفاً من بدايات التنمية في المناطق القريبة من جبل علي، حين اصطحب مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين في حافلات إلى أراضٍ رملية، وعرض عليهم فرصاً للاستثمار فيها.
ولم يكن بعضهم يرى في تلك الأراضي البعيدة عن العمران ما يشجع على الاستثمار، فاستبعدوا جدوى المشروعات المقترحة، لكن السنوات مضت، وتحولت تلك المناطق إلى مواقع اقتصادية وعمرانية بالغة القيمة، حتى أصبح بعض الذين ترددوا في الاستثمار يتمنون لو أنهم امتلكوا فيها قطعة أرض.
وهنا تتجلى عبقرية الرؤية، فالقائد كان يرى في الرمال مدينة، وفي المساحات الخالية فرصاً، وفي المستقبل واقعاً يمكن صناعته بالإرادة والتخطيط.
وأتذكر من ذلك الحديث عبارة قالها أحد رجال الأعمال لسموه، وقد أدرك الفارق بين سرعة رؤية القائد وقدرة الآخرين على مجاراتها: «يا طويل العمر، أنت تركض ونحن نمشي، لا نستطيع اللحاق بك».
وما أبلغ هذه العبارة في وصف تجربة محمد بن راشد، الذي لم يكن ينتظر المستقبل حتى يأتي إليه، بل كان يسابق الزمن ليصنعه.
برج العرب.. فكرة سبقت زمانها
وتعود بي الذاكرة إلى ندوة اقتصادية وسياحية عُقدت في دبي، شاركت فيها ممثلاً للقطاع السياحي في إمارة الفجيرة، بمشاركة غرفة تجارة وصناعة الفجيرة والجهات المعنية بالاقتصاد والسياحة.
وكانت الأعمال في فندق جميرا بيتش آنذاك تكشف عن مرحلة جديدة من تطور دبي السياحي والعمراني. وخلال تلك المناسبة، التقيت ممثلين عن شركة هندسية عالمية، أذكر أن اسمها كان «أتكنز»، ودار بيننا حديث عن تصميم المشروعات السياحية الكبرى، وعن فكرة إنشاء فندق استثنائي في البحر، هو برج العرب.
كانت الفكرة مدهشة؛ فندق يقام على جزيرة اصطناعية، ويأخذ شكلاً معمارياً مستوحى من شراع سفينة، ليصبح علامة مميزة على ساحل دبي. ولم تكن المسألة مجرد إقامة فندق فاخر، بل كانت صناعة رمز عالمي، ومعلم يختصر صورة مدينة بأكملها.
وقد دعوت ممثلي الشركة إلى زيارة الفجيرة لوضع تصور لمشروع سياحي، فاستجابوا للدعوة، وزاروا الإمارة وقدموا تصوراً أولياً.
وما بقي في ذاكرتي من تلك التجربة أن دبي كانت تفكر بمنطق مختلف؛ فالمشروع السياحي لم يعد مجرد مبنى يوفر الإقامة، بل أصبح عملاً معمارياً واقتصادياً وإعلامياً يسهم في صناعة هوية المكان.
وقد أثبت برج العرب أن الفكرة الجريئة، حين تجد القيادة المؤمنة بها، يمكن أن تتحول إلى معلم يعرفه العالم، وصورة تستقر في ذاكرة كل من يراه.
مدينة جميرا.. حين تصبح السياحة فناً
ولم تتوقف الرؤية عند برج العرب أو فندق جميرا بيتش، بل امتدت إلى إنشاء مدينة جميرا، بما تضمه من فنادق ومنتجعات وأسواق وممرات مائية وجسور وقوارب تنقل الزوار بين مرافقها.
ومن فندق ميناء السلام إلى القصر والنسيم، ومن سوق مدينة جميرا إلى الممرات المائية والحدائق والمطاعم، تتجلى فلسفة سياحية تقوم على أن الزائر لا يبحث عن غرفة فندقية فحسب، بل عن تجربة متكاملة تجمع الراحة والجمال والترفيه والخصوصية.
لقد استطاعت دبي أن توظف العمارة والتراث والماء والحدائق والخدمات الراقية لتصنع بيئة سياحية ذات شخصية متميزة. وكان وراء هذه المشروعات إدراك عميق بأن الاستثمار السياحي لا يقاس فقط بعدد الغرف أو المباني، بل بقدرته على جذب الإنسان وإقناعه بالعودة مرة أخرى.
وهذا ما يجمع تلك المواقف والمشروعات في ذاكرتي: رؤية ترى أبعد من حدود المكان ولحظة الحاضر، وتدرك أن الفكرة العظيمة تحتاج إلى شجاعة تبدأ بها، وإرادة تتابعها، وعمل يحولها إلى واقع.
لقد رأيت المجسمات، وسمعت الحديث عن الأحلام في بداياتها، ثم شاهدت كيف أصبحت مدناً ووجهات يقصدها العالم. وبين الفكرة والإنجاز تتجلى عبقرية محمد بن راشد في قدرته على أن يرى المستقبل، وأن يمنح الآخرين الثقة للمشاركة في صناعته.
