توقفت طويلاً أمام أسماء ضحايا الاعتداء الإرهابي على كنيسة في مدينة الكرك الأردنية. قرأت الأسماء بحزن، لكن اسماً واحداً جعلني أعيد القراءة. كان اسم محمد بين الضحايا!
تساءلت إن كنت قد قرأت جيداً، ثم عرفت أنه الدكتور محمد القسوس، طبيب أسنان أردني مسيحي يحمل اسم نبي الإسلام.
دخل الإرهاب كنيسة يريد أن يقتل التعايش، فقتل رجلاً مسيحياً اسمه محمد!
لا أعرف لماذا هزني هذا الاسم أكثر من غيره. ربما لأنني وجدت فيه حكاية الأردن، حيث يعيش المسلم والمسيحي جنباً إلى جنب، ويتقاسمان تفاصيل الحياة دون أن يكون اختلاف الدين حاجزاً بينهما.
تخيلت والده يوم اختار له اسم محمد. هل خطر بباله أن يصبح اسم ابنه يوماً شاهداً على جريمة تستهدف كنيسة، وأن يختصر هذا الاسم وحده معنى التعايش الذي عرفه الأردنيون عبر أجيال؟
لكن ما جرى في الكرك يتجاوز بشاعة الجريمة نفسها. فالأردن، الذي حافظ على تماسكه وسط منطقة مضطربة، يواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متواصلة.
وهنا يلح عليّ سؤال: هل هناك من يضيق باستقرار الأردن؟ وهل توجد أطراف لا يروقها تماسكه الوطني ومواقفه السياسية، فتتمنى إشغاله بصراعات داخلية؟
لا أملك إجابة قاطعة، ولا يجوز اتهام جهة دون دليل، لكن السؤال يستحق التأمل في ظل ما تشهده المنطقة.
وليس بعيداً عن ذلك موقف الأردن الثابت من القضية الفلسطينية، الذي يعبّر عنه الملك عبد الله الثاني في المحافل الدولية، مؤكداً حقوق الشعب الفلسطيني وضرورة إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة.
كما أن مسؤولية الأردن التاريخية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمنح هذا الموقف أهمية تتجاوز الحسابات السياسية. ولا يعني ذلك وجود صلة مثبتة بين هذه المواقف والجريمة، لكن استقرار الأردن ووحدته الوطنية يظلان ضرورة في منطقة مثقلة بالصراعات.
وأعتقد أن أخطر ما يسعى إليه الإرهاب هو زرع الشك بين أبناء الوطن الواحد. فالمسيحي الأردني ليس ضيفاً على بلده، بل شريك في تاريخه وحاضره، وحين تُستهدف كنيسة، فإن المصاب يمس الأردنيين جميعاً.
ولعل قصة محمد القسوس تختصر هذه الحقيقة. لقد عاش باسمه ودينه وهويته الأردنية دون تناقض، في مجتمع اعتاد أن يرى في الإنسان جاره وصديقه قبل أن يسأله عن معتقده.
وأعود في النهاية إلى الاسم الذي استوقفني بين الضحايا... محمد القسوس.
لم أعرف الرجل شخصياً، لكن قصته تركت في نفسي أثراً عميقاً. فقد رحل، وترك لنا حكاية وطن يستطيع فيه أب مسيحي أن يسمي ابنه محمداً دون أن يرى في ذلك شيئاً غريباً. فأي وطن يستحق أن نحافظ عليه أكثر من وطن كهذا؟
