«رسائل» محمد بن راشد.. صورة مئوية الإمارات

كتاب الرسائل هو أحدث إصدارات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ويبدو أنه لن يكون آخر أجزاء مشروعه الفكري والأدبي الذي أخذ يوثقه في كتابه المرجعي بعنوان علمتني الحياة.

يضم الكتاب الجديد 26 رسالة موجزة في كلماتها، غنية في مضامينها، موجهة إلى السابقين والحاضرين واللاحقين من الأحياء والراحلين، من أفراد ومؤسسات، ومن قادة الوطن وأبناء وطن معطاء اسمه الإمارات.

لم يستثنِ سموه أحداً إلا ووجّه له رسالة مفعمة بالمحبة الأبوية والنصائح الوطنية، مما علمته تجارب وتحديات ومسؤوليات وإنجازات ستة عقود من العمل العام، اتخذ خلالها آلاف القرارات التي نقلت دبي إلى العالمية، وجعلت من دولة فتية قصة ملهمة تنتقل من نجاح إلى نجاح أكبر.

أول ما يستوقف قارئ هذا الكتاب أن سموه اختتم رسائله برسالة إلى زايد، الأب المؤسس لدولة الإمارات، طيّب الله ثراه، مما يثر السؤال لماذا اختار سموه أن تكون رسالته إلى زايد هي الرسالة السادسة والعشرون، وليست الرسالة الأولى؟

قد يكون السبب أن «رسالة إلى زايد» جاءت أخيراً في ترتيب الرسائل، أن زايد هو عند أبناء الإمارات، صغيرهم وكبيرهم، أولاً في الوجدان، وأولاً في ذاكرة الوطن، وأولاً في مسيرة الاتحاد.

يقول سموه إنه تلميذ مدرسة زايد في القيادة والحكمة والعدالة والرؤية الطموحة. تعلم الحكمة من حكيم العرب الذي كان «الأول في حكمته كما كان الأول في كرمه وسعة صدره»، كما هو الأول في بناء دولة فتية ونموذج تنموي عربي فريد أصبح له حضوره العالمي.

دولة الإمارات، كما يشهد القاصي والداني، هي اليوم قوة إقليمية صاعدة برسالة نهضوية خالدة تمكنت من تحويل التحديات إلى فرص.

وكما كانت رسالة إلى زايد هي آخر الرسائل، لم يكن مستغرباً أن أول رسالة في هذا الكتاب موجهة إلى «أخي وصديقي ورفيق دربي محمد بن زايد»، الذي هو بحق زايد زمانه.

يقول سموه إن «محمد بن زايد إنسان وقائد وحكيم وزعيم وصاحب كلمة وصاحب موقف ورجل دولة فرض احترام بلاده على العالم». ويضيف سموه مخاطباً رئيس الدولة: «نحن وشعبك معك يا أخي في هذه الرحلة العظيمة... رحلة ستخلدها الأجيال، وسيكتبها التاريخ بحروف من نور».

رحلة الإمارات السريعة من المحلية إلى العالمية يقودها بجدارة واقتدار رئيس الدولة الذي حمل الأمانة وتحمل المسؤولية وخلق معجزة تنموية من معجزات هذا الزمان، بعد أن تقدمت على معظم دول العالم في نحو 200 مؤشر تنموي ومعرفي حيوي. فجأة برزت أبوظبي كعاصمة العواصم وقبلة زعماء ورؤساء العالم، تستقبلهم على مدار السنة، يقدرون صداقتها ومصداقية رئيسها.

بين أول رسالة وآخر رسالة، جاءت رسائل سموه جامعة مانعة، ومتدفقة بالمشاعر الإنسانية الصادقة، إلى أبيه وأمه وزوجته وأبنائه، حمدان ومكتوم، وبقية أفراد أسرة آل مكتوم الكرام. فدبي، المدينة الرائدة والعامرة بالحياة، وأسرة آل مكتوم حكاية واحدة ووجهان متلازمان لا يفترقان عبر نحو قرنين.

لا يمكن ذكر دبي دون ذكر آل مكتوم، والعكس صحيح. اختارت دبي آل مكتوم حكاماً لها فأحسنت الاختيار.

لقد تأسست المدينة كقرية صيد صغيرة سنة 1833 على يد مكتوم بن بطي آل مكتوم، رحمه الله، ثم تطورت المدينة سنة بعد سنة، ومع كل حاكم من حكام آل مكتوم، لتصبح مدينة حديثة في عهد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله برحمته الواسعة.

وسرعان ما واصلت دبي مسيرتها لتبلغ مجدها اليوم في عهد محمد بن راشد، لتدخل قائمة أبرز عشرين مدينة معولمة في العالم، وتؤكد تفوقها كحاضرة جديدة من حواضر أمتها، وتحقق طموحها كقرطبة زمانها وبندقية عصرها، يأتيها الناس من كل فج عميق يعيشون فيها بأمن وأمان واطمئنان.

هذا الطموح الحضاري والنهضوي الضخم ذكره سموه في أول مؤلفاته بعنوان رؤيتي: التحديات في سباق التميز. في هذا الكتاب المرجعي الذي صدر سنة 2006، أي قبل 20 سنة، يضع سموه فلسفته في القيادة ورؤيته في الريادة.

ويقدم عصارة خبرته وفكره العملي في بلوغ التميز بالعمل مع فريق عمل متميز، خصص له سموه ثلاث رسائل، وليس رسالة واحدة، مؤكداً أهمية فريق العمل الذي لا يمكن لأي قائد أن يحقق طموحه بدونه.

في رسالته الأولى لفريق عمله الذي عُرف بإخلاصه وتفانيه وانضباطه ومواصلة العمل لساعات متأخرة من النهار والبعض منهم لا يعرف ليله من نهاره، يتوجه إليهم جميعاً بالشكر والثناء قائلاً: «تحية لكم وتقديري لجهودكم وامتناني لمسيرة عملي معكم لجعل حياة البشر أكثر كرامة وأكثر عدلاً وأكثر راحة وأكثر سعادة».

وفي رسالته الثانية إلى فريق عمله التي جاءت في الصفحة 66 من الكتاب، وهي الرسالة رقم 11، وتبدأ بعبارة متواضعة «إلى فريق عملي العزيز»، يذكرهم بقصة تاريخية ملهمة في القيادة وسرعة التعلم وتجنب أخطاء الماضي وضرورة مواكبة إيقاع العصر، خاصة الجديد التقني المرتبط اليوم بالذكاء الاصطناعي. فسرعة التعلم، كما يقول سموه، «هي الفرق بين من يقودون اقتصاد العالم ومن يعيشون عالة عليه».

أما الرسالة الثالثة لفريق عمل سموه فوردت في الصفحة 106 من كتاب الرسائل. أن يخص سموه فريق عمله بثلاث رسائل له دلالات على أسلوب عمل هذا الحاكم الحكيم. ففي هذه الرسائل فلسفة سموه في ماهية الحكم الرشيد الذي منه رفع مكانة الإمارات بين الأمم ورفع شأن دبي.

فلا قيادة بدون فريق عمل مخلص ومحترف. ولا نجاح بدون فريق عمل جاد ومجتهد ومبتكر. ولا يمكن تحقيق أهداف وطنية كبرى بدون مثل هذا الفريق.

ربما هنا يكمن سر من أسرار نجاح نموذج الإمارات الذي استطاع في ظرف خمسين سنة أن يقف جنباً إلى جنب مع نماذج تنموية عالمية ناجحة، وفي المقدمة النموذج السنغافوري والنموذج الكوري الجنوبي والنموذج النرويجي وغيرها من النماذج التنموية الرائدة في عالمنا المعاصر. السر في فريق العمل وفي الحكم الرشيد: الإمارات نموذجاً.

أخذت رسائل سموه لفريق العمل حيزاً مهماً من كتاب الرسائل. لكن بقية رسائل هذا الكتاب بنفس الأهمية، خاصة تلك الرسائل إلى مجتمع دبي ورسالة إلى بناة المدينة، صغيرهم وكبيرهم، المواطن منهم والمقيم والزوار ومحبيها والمعجبين أجمعين.

يقول سموه: «دبي وطن العالم ووطن البشرية ووطن الحياة وتجربة إنسانية عظيمة وخالدة باقية مستمرة ملهمة لجميع البشرية»، لذلك من يحب الحياة يحب دبي، المتفائلة دوماً التي تستمد تفاؤلها من حاكمها الذي «يؤمن بأن قادمنا أجمل، ومستقبلنا أفضل، لأننا لا نتوقف عن العمل، ولا نتوقف عن الأمل».

ومما يستوقف قارئ هذا الكتاب أن سموه لم ينسَ أبناء الخليج العربي. فالرسالة العاشرة جاءت بعنوان «رسالة إلى أبناء الخليج»، يقول فيها: «نحن أبناء الخليج..

انتقلنا جميعاً بفضل الله من مدن بسيطة إلى حواضر عالمية، ومن موانئ صيد متواضعة إلى ملاحة الطرق الدولية، ومن البحث عن اللؤلؤ إلى البحث عن أضخم استثمارات العالم. انتقلنا إلى الحداثة والبراعة والعولمة. وبقينا بحمد الله أصحاب هوية قوية وثقافة متفردة، وأصالة متميزة».

ما ورد في رسالة سموه إلى أبناء الخليج يتسق تماماً مع مقولة لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر. فكل الحقائق والوقائع تشير إلى أن الخليج العربي هو اليوم مركز ثقل عربي وعالمي، وأن دوله مجتمعة تشكل تاسع أكبر اقتصاد عالمي.

وتمتلك صناديق سيادية بقيمة تتجاوز 5 تريليونات دولار، أي نحو 45% من إجمالي قيمة الصناديق السيادية العالمية مجتمعة. ومطاراتها وموانئها من بين أكبر مطارات وموانئ العالم، والرأسمال الخليجي.

كما الشركات الخليجية الخاصة، فأصبحت شركات عابرة للقارات. أما عواصمها كأبوظبي والرياض والدوحة، فتصدّر النفوذ بعد أن كانت تستورد النفوذ، وتقوم بأدوار دبلوماسية خلاقة تعجز عن القيام بها دول عريقة وكبيرة في مساحتها وعدد سكانها.

يقول الشيخ محمد بن راشد في هذه الرسالة الخليجية المفعمة بالتفاؤل، إنه رغم كل الأزمات «متفائل بالخليج، وأنه خليجي وأفتخر أني خليجي».

في نهاية الكتاب، يوضح سموه أن هدفه من نشر هذه الرسائل هو تحريك العقول والقلوب بما ينفع الناس، «فالوطن أمانة، والحياة رسالة، والأعمار تمضي وتنطوي، ولكن الأفكار تكبر وتبقى».

ما يجده القارئ في معظم كتب الشيخ محمد بن راشد ومنها كتاب الرسائل هو أن التحول الحقيقي والجذري الذي شهدته دولة الإمارات لا يكمن في تحول البنيان والعمران وما يشاهده الإنسان، بل فيما ليس مشاهداً من تحول ضخم في قيم إنسان الإمارات من قيم تقليدية إلى قيم حديثة.

ومن عقلية الإمارات الدولة الصغيرة، إلى عقلية الإمارات القوة الصاعدة، ومن التفكير المحلي إلى التفكير العالمي، ومن الانغماس في الماضي إلى التركز على الحاضر والتخطيط للمستقبل البعيد: كيف يجب أن تكون عليه الإمارات سنة 2050 وسنة 2071 عندما تحتفل بمئوية دولة الاتحاد؟ مختصر جواب كتاب الرسائل: بإنجازات أكبر وأعظم وستصل إلى قمم جديدة لا تخطر على بال.

من الصعب لكتاب يحتوي على 26 رسالة ويقع في 156 صفحة اختصاره في مقال واحد، ومن الصعب استيعاب دروس وعبر هذه الرسائل من قراءة واحدة لكتاب أقل ما يقال إنه كتاب سلس وشيق واستثنائي، لكاتب له قدره وتقديره، وقائد طموح، ومبدع أطلق جائزة تحدي القراءة العربي وجائزة نوابغ العرب، ليجدد بذلك مشروعاً نهضوياً عربياً ينطلق من دبي، مدينة التنوير، ومن الإمارات.

حيث يُبنى نموذج تنموي ومعرفي عربي ملهم. ما يبقى في ذهن القارئ بعد الانتهاء من قراءة «الرسائل» هو أن كاتبها ليس مجرد قائد وكاتب، بل هو صاحب رسالة سامية في الحكم والحكومة والقيادة والحياة.