إن من أهم مقومات الإدارة الناجحة أن يعرف المسؤول قدر فريق عمله، وأن يثمِّن جهودهم، ويحتفي بإنجازاتهم، وينسب الفضل لأهله، فإن تقدير الجهود من أرقى أخلاق القيادة، وله أثر عميق في النفوس، يبعث فيها مشاعر الرضا والثقة، ويجدد العزائم، ويضاعف الهمم، ويحفز على مزيد من البذل والإبداع، فحين يشعر الموظف أن جهوده محل تقدير، وأن إخلاصه واجتهاده موضع اعتزاز، يزداد ارتباطه بمؤسسته، وتقوى لديه روح المسؤولية والمبادرة، ويصبح أكثر حرصاً على نجاحها وارتقائها، وإن ترسيخ هذه الثقافة الإدارية الراقية يصنع بيئة عمل إيجابية، تسودها المحبة والثقة والتعاون، وتتكامل فيها الطاقات والجهود، وتتحول فيها النجاحات الفردية إلى إنجازات مؤسسية كبرى، لتبقى المؤسسات قوية متماسكة، متجددة العطاء، ماضية في طريق الريادة والتميز.
ولقد قدّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نموذجاً قيادياً وإنسانياً ملهماً في هذا الميدان، حين منح معالي محمد عبدالله القرقاوي وشاح محمد بن راشد، خلال ملتقى محمد بن راشد للقادة، تقديراً لمسيرته الوطنية المخلصة، وما بذله من جهود دؤوبة في خدمة الوطن، وقد جاءت كلمات سموه مفعمة بمشاعر الوفاء والتقدير، حين استحضر ثلاثة عقود من العمل المشترك والمثابرة والاجتهاد، ووصف القرقاوي بأنه من رفقاء المسيرة، مشيداً بصدق مواقفه وإخلاصه لوطنه وقيادته وتفانيه في خدمة أبناء بلده، ومؤكداً أن تكريمه مستحق، وأنه ينتظر منه المزيد.
وإن المتأمل في هذا الموقف النبيل يدرك ما يحمله من رسائل إدارية وتربوية عميقة، فقد وقف سموه، وهو صاحب مسيرة استثنائية حافلة بالإنجازات والنجاحات الكبرى، ليشيد بأحد رجال فريقه، ويثمن جهوده أمام الجميع، وفي ذلك أبلغ رسالة لكل مسؤول بأن القيادة الحقيقية تتجلى في إنصاف المجتهدين، والاعتزاز بإنجازاتهم، وإبراز أدوارهم في صناعة النجاح، وإن لمثل هذا التكريم العلني أثراً بالغاً يتجاوز الشخص المكرم إلى جميع العاملين، إذ يغرس في نفوسهم اليقين بأن الاجتهاد مقدر، ويبعث فيهم روحاً متجددة من الثقة والطموح، ويحفزهم على مضاعفة الجهود والتنافس في ميادين الإنجاز والتميز.
ومن أجمل ما يميز مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد القيادية روح القيادة الأبوية الحكيمة، التي تجمع بين الحزم والرحمة، وتدرك طبيعة النفس البشرية وما يعتريها من نجاح وإخفاق، وصواب وخطأ، وقوة وضعف، فالمسؤول الناجح قريب من فريقه، يعرف قدراتهم، ويتفهم ظروفهم، ويحتضن طاقاتهم، ويأخذ بأيديهم نحو الأفضل، وإذا وقع منهم تقصير أحسن تقويمه، وإذا أخطؤوا أرشدهم بحكمة وبصيرة، وإذا أحسنوا شجعهم واحتفى بإنجازهم، حتى تتحول العثرات إلى خبرات نافعة، والتحديات إلى فرص للتطوير، وينشأ فريق عمل متلاحم متكامل، يجمع بين الانضباط والثقة، وبين المحبة والمسؤولية، ويمضي بروح واحدة نحو تحقيق الغايات المنشودة.
وفي المقابل، فإن من أخطر آفات الإدارة السلبية أن يستأثر المسؤول بالنجاحات، ويهضم حقوق العاملين معه، وينسب ثمار جهودهم إلى نفسه، ويتصدر المشهد عند تحقيق الإنجازات، ثم يحملهم تبعات الإخفاقات، ويتتبع أخطاءهم، ويتجاهل اجتهاداتهم، فتكون عاقبة هذه الممارسات إضعاف الثقة، وكسر الهمم، وإطفاء جذوة الحماس والإبداع، وقد تدفع الكفاءات المتميزة إلى الانكفاء والعزوف عن المبادرة، فتخسر المؤسسة من الطاقات والخبرات ما يصعب تعويضه، ومن هنا فإن العدل والإنصاف والتقدير من أهم مسؤوليات القائد وأعظم أماناته، وبها يكسب احترام فريقه وولاءهم، ويصنع بيئة عمل إيجابية تقوم على التعاون والتكامل، وتثمر عطاءً متواصلاً وإنجازاً مستداماً.
إن القيادة الأبوية الحكيمة التي جسدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، تقدم درساً بليغاً لكل مسؤول، بأن عظمة القيادة تتجلى في الأثر الطيب الذي تتركه في النفوس، وفي الرجال الذين تصنعهم، وفي القيم التي تغرسها، في تقدير الجهود، والإشادة بأهلها، في الكلمة الطيبة والاحتواء الجميل والثناء المشجع، وهي ثقافة جديرة بأن تترسخ في كافة المؤسسات، لتبقى عامرة بالعطاء والإنجاز، وتسهم في مواصلة مسيرة وطننا المشرقة نحو آفاق الريادة والتميز والازدهار.
