العلاقة الأولى مع الحياة تبدأ باكتشاف الطرقات، فهناك دائماً فكرة أن المعرفة تبدأ عندما يغادر الإنسان المكان الذي يعرفه أو اعتاد عليه، لأنه بالضبط هنا سيسأل كونه خارج المألوف، لهذا السبب بقيت الطرقات واحدة من أقدم وسائل المعرفة الإنسانية، وهذا ما ظهر بشكل كبير في القصيدة التي حملت الكثير من أبيات الرحلات والاكتشاف ضمن الطريق، وحتى في الحكايات الحية التي تروى إلى اليوم كلها عبارة عن حكايات الطريق أو الرحلة والإنسان على هذه الأرض، ومع محيطه الجغرافي المتنوع من بحر وصحراء وجبال، إذ إنه وجد نفسه في حالة اكتشاف مع كل حركة، لينقل المعرفة والقصة عبر العمل والبضائع والبحث عن المعنى، وحتى حين حاول أن يجتمع ويتحد ويشكل القوة والمعرفة استخدم الوسائل المتاحة ليقطع الطريق، ويصل إلى وجهته للتعرف على الآخر، الذي شكل معه مفهوم المجتمع في مبادلة الرزق والعلم والمصاهرة.
«المدقات» كانت تنتشر، حيث تطأ الأقدام وتتحرك، وهي علامة كاملة بأن الحياة مستمرة، وتتمدد وتشير إلى التحولات بحثاً عن الرزق أو الاكتشاف، وأيضاً الانتقال سواء في الجبال أو الصحراء والبحر، وهي ضمن أفكار الفرد والجماعة معاً، فيقومون بإقرار شكل الطريق والاختصارات مع جميع الاحتمالات، التي تتشكل مع الطقس بوجود الأمطار والأودية في الجبال، الرياح والعواصف في الصحراء، المد والجزر على الساحل حين كانت تتحرك السيارات قبل الإسفلت على الرمال من رأس الخيمة وأم القيوين وعجمان مروراً على الشارقة للوصول إلى دبي وأبوظبي، حيث الحركة المرتبطة بالبحر إلى أن جاء الإسفلت، وشكل أول نواة ثابتة للطرقات، تضع لافتة مكتوب عليها «كيلو متر»، عرف من خلالها الإنسان حجم الزمن والمسافة، ومن هذا الواقع تحرك ووجد نفسه أمام مدن، تنهض بنفسها، وتتفتح وتشكل مصيرها وازدهارها عبر البناء والمعرفة.
في السينما قدم الفيلم الإماراتي «الطريق» بحضور فني لافت من الحكاية، وعبر مصير الشخصيات مع مغادرة البطل المكان الذي يعرفه، ليجد نفسه أمام واقع مختلف خارج المكان المعتاد إلى فضاء مشابه، لكنه غريب يضع البطل في الشك والاكتشاف معاً، وهنا تكمن الحكاية، حيث البعد عن عالمه الأول إلى عالم يصنع مصيره، ويمكن أن نجد هذا المسار في أفلام إماراتية عديدة، منها «بنت مريم – ساير الجنة – مزرعة يدو – سبيل»، حيث تتحرك الشخصيات في اتجاهات مختلفة، وتحمل كل منها شيئاً من الماضي والأسئلة، والعلاقة بالمكان، ويصبح الطريق جزءاً من مصيره وهو يبحث عن نفسه بعلاقات مع الآخرين، فمنها تبدو خصوصية سينما الطريق الإماراتية في تلك المسافات الصغيرة، التي تفصل بين البيوت والقرى والمدن، لكنها تفتح أمام الشخصيات عالماً أكبر من المسافة، فالرحلة لا تحتاج دائماً إلى طريق طويل حتى يتغير الإنسان كلياً، وقد تكون مغادرة المكان الذي نعرفه كافية، لنكتشف كم كنا نجهل من العالم الذي نعيش فيه حتى لو كان يبحث عن النجاة أو الحب، والأجمل في السينما أن توثيق المكان عبر الرحلة أمر مدهش، ومع مرور السنوات يصبح المكان في حيز التوثيق البصري، وخصوصاً في الطرقات «المدقات» القديمة التي بدأت تختفي، ويأتي هنا دور الأفلام الروائية والتسجيلية في تقديم الحكاية والمكان والشخصيات لكل الأجيال عبر القصة والحكاية التي تشبهنا،
الآن وعبر الطرقات المزدهرة في جميع أنحاء الدولة تأتي اللافتات لتشير إلي استخدام الجسر والمخرج والطريق الجديد بشكل مستمر، لتضعك الاحتمالات في معلومة تقول: «إن الإمارات تملك أفضل جودة في الوطن العربي والثالث في العالم، ونتذكر هنا أول لقاء تاريخي ومهم للوطن، جمع في الطريق «زايد وراشد» بين أبوظبي ودبي بالقرب من منطقة السميح «عرقوب سديرة» سنة 1968م».
