«سنوات البطاقة».. درس لا يراد له أن يُنسى


تتعدد اليوم محركات اقتصاد دبي وتتشابك فيما بينها، فالتجارة العالمية تسندها شبكة من الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية، وتتلاقى السياحة والضيافة مع العقارات والتطوير العمراني، فيما تتسع مجالات الاستثمار في الخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا. من هذا التكامل تستمد المدينة جانباً كبيراً من قوتها الاقتصادية، وقدرتها على النمو والتكيف مع تحولات الأسواق العالمية.


هذا التنوع ثمرة رؤية بعيدة المدى، وقرارات استشرفت المستقبل وفتحت أبواباً جديدة للفرص، لكن حين قرأت الرسالة الثامنة من كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، الموجهة إلى شباب دبي، اكتشفت أن وراء هذه الرؤية حكاية موجعة؛ حكاية تستعيد من ذاكرة دبي زمناً عرفت فيه قسوة أن يرتبط مصير مدينة كاملة بأحداث تجري بعيداً عنها، وأن يصل أثرها إلى أبواب البيوت، وإلى موائد أهلها.


يعود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى سنوات انهارت فيها تجارة اللؤلؤ، وفقدت عائلات كثيرة مصدر رزقها، وبدأ الناس يهاجرون بحثاً عن العمل والطعام، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتقطع طرق التجارة والإمدادات، وتضاعف قسوة الحياة. في تلك السنوات أكل الناس الشعير المخلوط بالخبز، وسموه «الشمبريش»، وعاشت عائلات أشهراً كاملة على التمر والماء، وأكل آخرون الجراد في مواسمه من شدة العوز، وفي بيوت من سعف النخيل، وسط حر شديد وشح في الماء والطعام، انتشرت الكوليرا والجدري والتهابات العيون، ومحيت عائلات كاملة بأمراض بسيطة زاد من قسوتها ضعف العلاج وسوء التغذية.


بذل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، جهوداً كبيرة للضغط على البريطانيين لرفع الحظر الكامل الذي فرضوه على دخول المواد الغذائية، في وقت كانت فيه طرق التجارة والإمدادات قد تعطلت بفعل الحرب. وحين سمح بدخولها مجدداً، وضع نظاماً لتوزيع ما توفر منها بحصص محددة لكل عائلة، تثبتها ورقة صغيرة سميت «البطاقة»، ومنها جاء الاسم الذي بقي في ذاكرة دبي: «سنوات البطاقة».


تركت تلك المحنة أثراً عميقاً في طريقة تفكير المغفور له الشيخ راشد، طيب الله ثراه، فقد عاين هشاشة اقتصاد يعتمد على مورد واحد، وأدرك أهمية أن تتعدد أبواب الرزق، فاتجه إلى توسيع الخور وتطوير الموانئ، وصولاً إلى ميناءي راشد وجبل علي، واستثمر في البنية التحتية، واضطر أحياناً إلى الاقتراض لتمويل مشروعاته، حتى إن البريطانيين وصفوا بعضها بأنها «مغامرات خطيرة».


استوقفتني هذه العبارة، لأنها تكشف اختلافاً في تقدير المخاطر، فمن ينظر إلى محدودية الموارد وحجم الإنفاق قد يرى المجازفة في الاستثمار، أما من عرف كلفة انقطاع الرزق، وشهد الجوع يطرق أبواب البيوت، فقد يرى المجازفة الأكبر في بقاء المدينة معرضة لتكرار التجربة نفسها، وهنا تتجاوز هذه المشروعات قيمتها الاقتصادية، وتكتسب معنى حماية حياة الناس من أن تظل رهينة ظرف واحد.


مع مرور العقود، تغيرت حياة دبي حتى أصبحت «سنوات البطاقة» بعيدة عن واقع الأجيال الجديدة، وربما عن قدرتها على تخيل ما عاشه آباؤها وأجدادها، ولهذا يستعيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد القصة في رسالة يوجهها إلى شباب دبي وشاباتها، ويقول: «أحكي لكم هذه القصة يا أحبابي كي لا ننسى، لأن النسيان بداية الغرور، والغرور بداية التراجع».


وقد يكون النسيان هنا أكثر من فقدان تفاصيل الماضي، فحين تصبح الوفرة مألوفة، قد يضعف الانتباه إلى ما يهدد استمرارها، وهذا ما يحذر منه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «أخطر لحظة على الإنسان ليست لحظة الفشل يا أبنائي، بل اللحظة التي يتملكه فيها شعور بأنه لا يمكن أن يفشل»، فالنجاح المتكرر قد يمنح صاحبه شعوراً خادعاً بالأمان، فيطمئن إلى ما أثبت جدواه بالأمس، ويغفل عن التحولات التي تجري من حوله.


لكل جيل، كما يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، معركته الخاصة، واجه الآباء بالأمس الجوع وشح الموارد بفتح أبواب التجارة وصناعة فرص جديدة، ويواجه قادة دبي اليوم تحدي الحفاظ على قدرة المدينة على التجدد، واستباق التحولات بقرارات جريئة حتى في أوقات الازدهار، أما الشباب، فسيكون أمامهم تحدي تحويل ما ورثوه من فرص إلى إنجازات تتجاوز ما تحقق، فالوفرة تمنحهم قدرة أكبر على المبادرة، وقد تغريهم أيضاً بتأجيلها.


بين ورقة صغيرة كانت تحدد نصيب أسرة من الطعام، وموانئ تستقبل سفن العالم، تمتد حكاية دبي بكل ما فيها من ألم وجرأة، اختفت البطاقة من حياة الناس، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يعيد قصتها إلى جيل لم يعرف ذلك الجوع، كي يبقى فيه جوع من نوع آخر.. «الجوع للأحلام العظيمة».