أعيش في الإمارات منذ سنوات طويلة، وربما لهذا أصبحت ألاحظ أشياء قد لا يلتفت إليها الزائر؛ فمع طول الإقامة، لا تعود معرفتك بالبلد مرتبطة بما تراه من عمران وتطور، وإنما بالناس الذين تعيش بينهم، وبالمواقف التي تجمعك بهم كل يوم. خلال هذه السنوات، رأيت الإمارات تتغير كثيراً، لكن شيئاً واحداً ظل يلفت انتباهي ولم يتغير: أخلاق الناس.
لا أتحدث هنا عن موقف واحد، ولا أكتب من باب المجاملة، بل أتحدث عن أشياء رأيتها بنفسي، وتكررت أمامي حتى أصبحت جزءاً من الصورة التي أحملها عن الإمارات وأهلها.
عرفت الإماراتيين في تفاصيل الحياة اليومية، وفي المجالس ومواقع العمل ومختلف المناسبات. وأكثر ما لفتني تلك البساطة في التعامل، والتواضع الذي لا يتغير كثيراً بتغير المكانة أو المنصب. رأيت ذلك عند الشيوخ والحكام وأصحاب المكانة؛ في استقبالهم للآخرين، والاستماع إليهم، والحديث معهم دون تكلف أو حواجز، ورأيته أيضاً عند عامة الناس.
ولفتني احترامهم للنظام، ليس باعتباره تعليمات مفروضة، بل سلوكاً اعتادوه؛ احترام الدور والوقت والقانون وحقوق الآخرين والمكان العام. ولاحظت كذلك سعادتهم برزق الآخرين ونجاحهم.
رأيت من يساعد شخصاً في الحصول على فرصة عمل، أو يدله على باب رزق، ثم يفرح لنجاحه كأنه نجاح له. فالإيمان بأن رزق غيرك لا يأخذ من رزقك، حين يتحول إلى سلوك، يحمل معنى كبيراً.
ولمست في تعاملهم مع مختلف الجنسيات والأعراق احتراماً وتقديراً وترحيباً لا يتوقف عند جنسية أو لون أو أصل. يفتحون مجالسهم وقلوبهم للآخر، ويحيطونه بالمحبة والتسامح وحسن الاستقبال، حتى تشعر بعد سنوات بينهم أنك لست غريباً عنهم، بل واحد منهم.
وخلال سنوات طويلة، لا أكاد أتذكر أنني رأيت مواطنين يتشاجران، أو أن خلافاً عادياً تحول أمامي إلى عراك. بالطبع، لا يوجد مجتمع بلا خلافات، لكن ما رأيته هو هدوء في التعامل، واحترام للكبير، ودور للأسرة والمجلس وكبار السن في احتواء الاختلاف.
هذه الأخلاق لم تأتِ من فراغ، فجذورها في تعاليم الدين الإسلامي، وفي الموروث العربي والخليجي؛ إكرام الضيف، واحترام الكبير، وصلة الرحم، والتواضع والتسامح، والإيمان بأن الأرزاق بيد الله.
ثم جاء جيل التأسيس، وفي مقدمته الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، وإخوانهما حكام الإمارات، فلم ينشغلوا ببناء المكان وينسوا الإنسان. وما غرسه ذلك الجيل حمله من جاء بعده، واستمر مع حكام الإمارات الراحلين والحاليين.
والثمرة نراها اليوم في جيل يعيش الحداثة والانفتاح، لكنه متمسك بقيمه ويحترم الآخر، مهما كان أصله أو جنسيته. فالمال يستطيع أن يبني طريقاً ومطاراً وبرجاً، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني أخلاق مجتمع.
لهذا، عندما يسألني أحد، بعد كل هذه السنوات: ما أجمل ما رأيت في الإمارات؟ لا أبدأ بالأبراج، ولا بالمشروعات، ولا بالمدن.
أقول: الناس.
قد يأتي جيل لم يرَ زايداً ولا راشداً ولا رجال التأسيس، لكن حين ترى قيمهم حاضرة في الناس، تعرف أن الغرس ما زال حياً. فأجمل ما تركه الآباء ليس فقط ما بنوه حول الإنسان، بل ما زرعوه داخله.
