الإنسان حين يجلس مع الآخرين ليشاهد شيئاً يحدث أمامه، هذا بالضبط ما يمكن التوقف عنده، ونحن أمام مقاعد في الغالب متشابهة، لكن من حولك غرباء تجمعكم لحظة حماس أو صراخ واحد، بينما تختبئ الضحكة بداخلكم بنفس المشاعر عند المسرحية، لتنفجر في وجه العرض، وفي السينما تبقى تلك العتمة الباهرة وهي تضيء القصة والشخصيات لتبقى في حالة إنصات، وهنا أمام جميع الحالات تنتهي اللحظة زمنياً بالتساوي عند الجميع.
المدرج اختراع بشري بسيط، وهو أن نرفع الإنسان قليلاً عن الإنسان الذي أمامه حتى يرى الأشياء التي تحدث أمامه في اللحظة نفسها، ومن هذه الفكرة الهندسية ولد واحد من أقدم أشكال المشاهدة الجماعية عبر الجلوس في تساوٍ والتفاعل ضمن المساحة نفسها، وارتبط هذا الطقس في الحضارات ضمن مستوى الأرض، إلى أن جاءت فكرة المدرج الضخم عند الرومان، ليأخذوا البعد إلى الشكل من خلال نظرة واحدة لمساحة صغيرة من خلال آلاف البشر.
في المدرج الكل متساوٍ أمام حدث واحد يجد الفرد نفسه مع الجماعة رغم الفعل الفردي الذي مارسه قبل الدخول، من شراء التذكرة واختيار المقعد، وكأنه اختار أن يضع نفسه بين المجموع، سواء بالصراخ أو الاستمتاع أو حتى الصمت، بينما كل شيء يتحرك أمامه بإيقاع واضح، وهذا ما يدفعنا لأن نفهم التجربة البشرية في محيطنا المتغير والعصري، حيث أصبحت المشاهدة في شاشة صغيرة بحجم كفّ اليد تحملها حيث وجدت، ربما هي لحظة خاضعة للرغبة بمشاهدة مباراة لكرة القدم أو مسرحية وفيلم وحفل موسيقي، والكثير من المحتوى المتصاعد، وهو خيار حقيقي يضعنا في اختبار بشري هائل حول التجربة الفردية والجماعية، ومن يهزم الآخر، أم هو خيار متعدد بين أن تجلس كفرد بين الجماعة وتشاهد مباراة كرة القدم ويضيع صوتك بينهم، أو تبقى في مساحة سنتيمترية مع أغنيتك وفيلمك وتكتفي، لم يتوقف شيء فقط تعددت الخيارات الفردية بين الذهاب إلى المدرج أو البقاء خلف أصابعنا وبين ملء سلة الطلبات للتوصيل والذهاب إلى المطعم لخوض التجربة، المتعة هي نفسها لكنها تتضح بداخلنا حين نعيشها، وبين كل تلك الخيارات تبقى تجربة المدرج واحدة من أعظم التجارب الفردية البشرية التي تتعاظم مع الجماعة.
على المدن أن تشكل هويتها وتجربتها الإنسانية من خلال وجود المدرجات، سواء لكرة القدم (الرياضة بشكل عام)، أو للفنون والمسرح والسينما، وهذا ليس خياراً أكثر من كونه شكلاً حضارياً للمدينة تضع الفرد أمام خيارات تجمعه مع الجماعة في تشكيل الفرح والصوت والاستمتاع بمبدأ صناعة الترفيه، وهي إشارة على المشاركة لتفعيل هوية وقصة وحواس المدينة من خلال السكان.
في الطفولة كنا نخرج من المسرحية والفيلم ومباراة كرة القدم متوحدين اتجاه المشاعر، مصابين بالحياة، متدفقين اتجاه ما تركه البطل بداخلنا عبر القصة، وما توقظه المسرحية أو الأغنية من مشاعر تصرخ بها، وحين يسجل اللاعب هدفه في الدقائق الأخيرة ويجعلك في قوة اللحظة تصرخ وتفرح وتحضن من كينونة فردية عبر صورة جماعية متكاملة، يفعل الجميع بمشاعر واحدة الفعل نفسه في شكل بشري لا يمكن أن يتكرر سوى في المدرجات.
