في الخامس من نوفمبر 1918 خسر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، مجلسي الكونغرس، وبعد 6 أيام فقط انتهت الحرب العالمية الأولى، ذهب بعدها إلى باريس ليشارك في صياغة معاهدة فرساي والنظام الدولي الذي سيخرج من الحرب، وعاد إلى واشنطن ليجد مجلس شيوخ تسيطر عليه المعارضة الجمهورية، رفض المجلس التصديق على المعاهدة، وبقيت الولايات المتحدة خارج عصبة الأمم التي كان ويلسون أحد أبرز مهندسيها، وكشفت تلك اللحظة مبكراً أن قدرة الرئيس الأمريكي على تحويل رؤيته الخارجية إلى سياسة دائمة تمر عبر موازين القوة في الداخل.
بعد أكثر من قرن، تعود المعادلة في الثالث من نوفمبر، حين يصوت الأمريكيون على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435، وعلى 35 مقعداً في مجلس الشيوخ. يسيطر الجمهوريون حالياً على مجلس النواب بـ218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، وعلى مجلس الشيوخ بـ53 مقعدا مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم.. أرقام قليلة تفصل واشنطن عن احتمال انتقال إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما إلى الديمقراطيين، وهو تحول سيعيد توزيع القوة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.
الرئيس الأمريكي يحكم داخل منظومة تتوزع فيها السلطة بين مؤسسات عدة، فالكونغرس يقر الموازنات والتشريعات، ويملك أدوات الرقابة والتحقيق والاستدعاء، ويصادق مجلس الشيوخ على كبار المسؤولين والقضاة، كما يملك المجلسان صلاحيات مرتبطة بتمويل العمليات العسكرية والحرب.. ولهذا طلب ترامب من أنصاره خلال أول مؤتمر وطني يعقده الحزب الجمهوري خصيصاً لانتخابات التجديد النصفي في دالاس الشهر الماضي، أن يتعاملوا مع الاقتراع وكأنه هو المرشح، مدركاً أن النتيجة ستحدد إلى حد كبير مساحة الحركة المتاحة أمامه خلال العامين الأخيرين من ولايته.
وظهر أثر هذا التوازن أخيراً في الحرب مع إيران، ففي الـ24 من سبتمبر خرج ترامب منتصراً من تصويت في مجلس الشيوخ كان يهدف إلى تقييد صلاحياته في مواصلة العمليات العسكرية من دون تفويض من الكونغرس. جاء الانتصار بفارق صوت واحد فقط، 50 مقابل 49، رغم امتلاك الجمهوريين 53 مقعداً في المجلس، بعدما انضم 4 منهم إلى مؤيدي القرار..
وإذا انتقلت أغلبية مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين في نوفمبر، سيواجه ترامب مجلساً تقوده المعارضة، ما يرفع فرص إقرار قيود تشريعية على هامش حركته في الحرب، مع بقاء الفيتو الرئاسي واشتراط أغلبية الثلثين لتجاوزه.
ومع امتداد الحرب إلى أسواق الطاقة، دخلت آثارها أيضاً إلى الحسابات الانتخابية الأمريكية، فارتفاع أسعار النفط انعكس على الوقود وتكلفة المعيشة، وهي القضية التي تتصدر أولويات قطاع واسع من الناخبين.. قرار يتخذ في واشنطن يؤثر في حرب على بعد آلاف الكيلومترات، والحرب ترفع كلفة الطاقة، والكلفة تصل إلى الأسرة الأمريكية، وصوت هذه الأسرة يسهم بعد أسابيع في اختيار الكونغرس الذي سيشارك في رسم حدود القرار خلال العامين التاليين.
انتقال مجلس النواب إلى الديمقراطيين سيمنحهم رئاسة اللجان وأدوات أوسع للتحقيق والرقابة واستدعاء مسؤولي الإدارة، وانتقال مجلس الشيوخ سيمنحهم تأثيراً أكبر في التعيينات والتشريعات، أما انتقال المجلسين معاً فيضع ترامب أمام كونغرس تقوده المعارضة خلال النصف الثاني من ولايته، فتدخل الموازنات والعمليات العسكرية والتشريعات الكبرى في مساحة أوسع من التفاوض والمساومة، ويتغير الإيقاع الذي تستطيع به الإدارة تحويل قراراتها إلى سياسات.
في الثالث من نوفمبر سيختار الأمريكيون أعضاء مجلسين، لكن آثار اختيارهم ستتجاوز حدود الولايات المتحدة، فالسياسة الأمريكية التي تصل إلى الحروب وأسواق الطاقة والتجارة والتحالفات تصنعها مؤسسات تتغير موازينها بصوت الناخب، وما بدأ عند مضيق هرمز قد يصل أثره إلى صندوق اقتراع في قلب أمريكا، ثم يعود إلى الخليج في صورة كونغرس جديد وهامش مختلف لحركة البيت الأبيض.
