الإمارات ... الهدوء لا يعني النسيان

لفتتني كلمات معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، في رده على علي أكبر ولايتي بشأن الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.

قال قرقاش، إن انتقاد ولايتي لبيان الإمارات في الأمم المتحدة «موقف سياسي تدحضه الحقائق والوثائق»، وأعاد التأكيد على موقف الإمارات الداعي إلى حل القضية سلمياً، إما بالمفاوضات الثنائية المباشرة أو باللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

هذا الموقف ليس جديداً، لكنني توقفت عنده هذه المرة لسبب آخر. أحياناً يعتقد البعض أن عدم الحديث عن قضية ما كل يوم يعني أنها تراجعت أو نُسيت. وهذا في رأيي فهم غير صحيح، خصوصاً عندما نتحدث عن الدول وحقوقها وأراضيها.

الإمارات لم تنسَ جزرها الثلاث، ولم تتخلَّ عن المطالبة بها، لكنها اختارت منذ سنوات طريقة مختلفة في إدارة هذا الملف. لم تجعل منه سبباً دائماً للتوتر والتصعيد، ولم تغلق بسببه أبواب الحوار مع إيران، وفي الوقت نفسه أبقت موقفها واضحاً في المحافل الدولية ... وهذه نقطة مهمة.

فليس مطلوباً من الدول أن تدخل في خصومة يومية حتى تثبت تمسكها بحقوقها. أحياناً يكون الموقف الهادئ والثابت أكثر فاعلية من عشرات التصريحات الغاضبة.

وأنا دائماً أرى أن الهدوء لا ينبغي أن يُفهم خطأ. فقد يصمت الإنسان لأنه يعرف حقه جيداً، لا لأنه نسيه، وقد يختار الحوار لأنه يريد الوصول إلى نتيجة، وليس لأنه عاجز عن اتخاذ موقف. وهذا في تقديري، ما يميز السياسة الإماراتية في التعامل مع قضية الجزر.

الإمارات تريد علاقات مستقرة مع إيران، كما تريد منطقة بعيدة عن الصراعات والتوترات التي دفع الجميع ثمنها كثيراً، لكن ذلك لا يعني أن تكون هذه العلاقات على حساب قضية تعتبرها الإمارات حقاً وطنياً.

يمكن أن نتعاون ونختلف في الوقت نفسه. ويمكن أن تبقى أبواب الحوار مفتوحة بينما تظل القضايا الخلافية مطروحة على الطاولة. هذه هي السياسة عندما تُدار بالعقل لا بالانفعال.

ولهذا لم أقرأ رد قرقاش باعتباره مجرد رد على تصريح إيراني، بل تذكيراً بموقف لم يتغير : الإمارات تطالب بالجزر الثلاث، وتريد حلاً سلمياً وقانونياً لهذه القضية.

وقد تمر سنوات قبل الوصول إلى هذا الحل، وربما تتغير خلالها ظروف كثيرة في المنطقة، لكن مرور الزمن لا يعني انتهاء القضية.

تعلمنا الأيام أن الصوت المرتفع ليس دائماً دليلاً على القوة، كما أن الهدوء ليس دليلاً على النسيان. والإمارات اختارت أن تتحدث عندما يكون للكلام معنى، وأن تتمسك بموقفها من دون أن تجعل المنطقة تعيش على وقع أزمة دائمة، فالسياسة تحتاج إلى صبر، والحقوق تحتاج إلى ثبات، والإمارات قد تصمت حين يكون الصمت حكمة، لكنها لا تنسى.