«الرسائل».. من التجربة إلى الأثر

  في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلاصة ستة عقود من التجربة والعمل العام، في كلمات موجهة إلى رموز وشخصيات وطنية وأجيال مختلفة..

لكل رسالة مخاطبها، ولكل قراءة زاويتها التي تمتد أبعد من صفحات الكتاب.في هذه السلسلة «الرسائل من التجربة إلى الأثر»، التي تنشر بشكل دوري كل خميس، نقرأ الرسائل من الداخل، ونقترب من الأفكار التي حملتها التجربة، وما تكشفه من معانٍ في حاضرنا، وما ترسم لمستقبلنا.  

حين تطول التجربة، تفقد الأيام تساويها في الذاكرة.. سنوات كاملة تُختصر أحياناً في موقف واحد، وشخص رحل يبقى منه قول يرافقنا، وقرار صغير يكشف بعد زمن أنه غيّر مساراً كاملاً.

ومع السنين يهدأ صخب التفاصيل، ويصفو منها ما ترك أثراً: فكرة أعادت ترتيب نظرتنا، درس استقر فينا، أو معنى شعرنا أن عليه أن يعبر منا إلى الآخرين.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ست وعشرون رسالة، تأتي بعد نحو ستة عقود من العمل العام، يخاطب فيها الأسرة وفريق العمل والشباب والمعلمين والمسؤولين، وأجيالاً ستأتي لاحقاً.

في مقدمة الكتاب، يكشف الشيخ محمد طبيعة ما يضعه بين أيدي قرائه: حصيلة تجارب خاضها، وقرارات اتخذها، ومشاريع أنجزها، ودروساً استخلصها من سنوات طويلة في العمل والحياة، يكتب مُستحضِراً من سبقوه ومن رافقوه، ومن سيحملون المسؤولية من بعده، آملاً أن تختصر لهم تجربته بعض الطريق.

تبدأ الرسائل من الوجوه التي صنعت البدايات: بوصلة الأب التي بقيت تحدد الاتجاه، ودعاء الأم الذي ظل يرافق الصباح، والشيخ زايد «معلمي وقائدي وملهمي»، حاضراً في ذاكرة رجل يرى في ملامح الإمارات امتداداً لحلمه.

وحين يكبر الأبناء، تكبر معهم المسؤولية، وتصبح كلمات الأب أقرب إلى وصايا لإكمال المسيرة، فكتب للشيخ حمدان: «إن كان الناس ينظرون إليك بعيونهم، فانظر إليهم بقلبك يا حمدان»، وفي المسافة بين نظرة الناس ونظرة القائد، تتشكل فكرة كاملة عن الحكم: أن يرى الناس كما يعيشون هم، وأن يبقى قريباً من همومهم، وأن تتسع الرحمة كلما اتسعت المسؤولية.

وتحتاج مسيرة العمل إلى هذا النوع من اليقظة، فالنجاح، كما يحذر الشيخ محمد فريقه، قد يصنع مع تكراره شعوراً بالاكتفاء، وثقة زائدة بما تحقق، والمنصب يفقد معناه إذا اختصر المؤسسة في شخص. وتظهر قيمة القيادة الحقيقية في قدرة المؤسسة على أن تستمر بقوتها بعد مغادرة من قادها.

يواجه المعلم جيلاً تصل إليه المعرفة أسرع من أي وقت مضى، ويكتب الشيخ محمد أن الطالب يستطيع اليوم أن يسأل الآلة عن الفيزياء أو التاريخ أو الأدب، ويحصل على الإجابة، فيبقى دور المعلم في بناء القدرة على التفكير والاختيار والتمييز بين الحقيقة والرأي، وفي رسالته إلى الإعلامي، يستعيد الشيخ محمد تجربة إذاعة رواندا، ليذكر بما يمكن أن تصنعه الكلمة حين تتحول إلى وقود للكراهية، في زمن تتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه.

أما المسؤول، فيضعه الشيخ محمد أمام صورتين واضحتين: «طالب المكانة» و«حامل الأمانة»، ويصبح الامتحان الحقيقي في ما يتركه بعد أن يغادر موقعه.

والمستقبل حاضر في هذه الرسائل منذ صفحاتها الأولى، الشيخ محمد يكتب عن ذكاء اصطناعي سيغير العمل والتعليم، وعن مدن ستتنافس على العقول والمواهب، وعن قيادة تحتاج إلى سرعة أكبر في التعلم واتخاذ القرار، المستقبل هنا امتداد للتجربة، واختبار لها: ما الذي يظل صالحاً حين تتغير الأدوات والظروف؟

ومع اتساع المخاطَبين، تتجاوز الرسائل أصحابها، فالرسالة صيغة تقوم في جوهرها على الاختيار، ينتقي صاحبها من تجربته ما يريد أن يقوله لشخص بعينه، وما يراه جديراً بأن يبقى معه.

ربما لهذا كان في اختيار الشيخ محمد للرسالة حكمة، فهي تبدأ خطاباً خاصاً، موجهاً إلى شخص محدد، ثم يتسع معناها كلما وجد قارئ فيها شيئاً من تجربته، فالرسالة تستطيع أن تعيش أكثر من حياة.. قد تصل كلماتها اليوم بمعنى، ثم نعود إليها بعد أعوام، وقد أضافت إلينا الحياة ما يجعلنا نفهمها على نحو أعمق...

وعند الصفحة الأخيرة، يبدو «الرسائل» امتداداً آخر لمسيرة طويلة، بعد عقود ارتبط فيها اسم الشيخ محمد ببناء المدينة والمؤسسة وصناعة الفرص، يضع هذه المرة بين أيدي قرائه ما تشكل لديه خلال تلك المسيرة: خبرة صنعتها المواقف، واختبرها الزمن، ثم وجدت طريقها إلى الكلمات.

وحين تجد هذه التجربة طريقها إلى من لم يعشها، يصبح العمر نفسه رسالة.

في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلاصة ستة عقود من التجربة والعمل العام، في كلمات موجهة إلى رموز وشخصيات وطنية وأجيال مختلفة.. لكل رسالة مخاطبها، ولكل قراءة زاويتها التي تمتد أبعد من صفحات الكتاب.

في هذه السلسلة «الرسائل من التجربة إلى الأثر»، التي تنشر بشكل دوري كل خميس، نقرأ الرسائل من الداخل، ونقترب من الأفكار التي حملتها التجربة، وما تكشفه من معانٍ في حاضرنا، وما ترسم لمستقبلنا.