جاءت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى فريق عمله باعتبارها أكثر من رسالة إدارية، وأكثر من مجموعة نصائح لقادة المستقبل. في تقديري، هي توثيق مختصر لفلسفة قيادة تشكّلت عبر عقود من العمل والإنجاز والتجربة، ورسالة واضحة حول كيف يجب أن تتغير القيادة في زمن يتغير فيه كل شيء.
وتبدأ أهمية الرسالة من توقيتها، فنحن ندخل عصراً لا تتغير فيه التكنولوجيا وحدها، بل تتغير معه الاقتصادات، وأسواق العمل، والمجتمعات، والمؤسسات، وطبيعة الوظائف، بسرعة غير مسبوقة.
والأهم، كما تشير الرسالة، أن هذه التحولات لم تعد تحدث منفردة، بل أصبحت مترابطة؛ الذكاء الاصطناعي يؤثر في الإنتاجية، والإنتاجية في سوق العمل، وسوق العمل في المجتمع والاقتصاد، وهكذا.
وهنا أعتقد أن جوهر الرسالة يمكن اختصاره في تحول كبير: مهمة القائد لم تعد أن يخطط للمستقبل، بل أن يبني مؤسسة مستعدة له.
وهذا فرق كبير، لسنوات طويلة، علمنا الإدارة على التخطيط: خطة لخمس سنوات، وأهداف، ومؤشرات، ومسار نتوقع أن نسير عليه.
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يقول لقادته شيئاً مختلفاً: لا تراهنوا على قدرتكم على التنبؤ. ابنوا مؤسسات قادرة على التكيف، وأشخاصاً يستطيعون التعلم، ثم نسيان ما تعلموه عندما يتغير الواقع، والتعلم من جديد. فالجاهزية، في عالم كهذا، أهم من دقة التنبؤ.
أما التحول الثاني، فهو ربما الأكثر إنسانية: لا تنظروا إلى الناس باعتبارهم موارد. فالآلة تستطيع اليوم أن تحفظ وتكتب وتحلل وتبرمج وتتابع وتأخذ قرارات.
وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للإنسان تنتقل أكثر فأكثر إلى ما لا نريد أن نحوله إلى عملية آلية: الخيال، والفكرة، والمبادرة، والإبداع.
وهنا تأتي عبارة أعتقد أنها تستحق أن تتوقف عندها كل مؤسسة: «كل قائد يقتل روح المبادرة يقضي على مستقبل مؤسسته». وهذه دعوة لإعادة تعريف الإدارة نفسها. فوظيفة المدير لم تعد مراقبة الناس والتأكد من أنهم لا يخطئون، بل بناء بيئة تجعلهم يفكرون ويجربون ويتحركون.
ثم تأتي النقطة الثالثة: السرعة في الإدارة التقليدية، كنا نخشى القرار الخاطئ. أما في عالم سريع التغير، فالخطر قد يصبح في عدم اتخاذ القرار أصلاً.
وكما تقول الرسالة بوضوح: «قرار جيد تأخذه اليوم أفضل من قرار مثالي تأخذه الشهر القادم». والذكاء الاصطناعي هنا ليس مجرد تقنية جديدة، بل أداة لاختصار المسافة بين الفكرة والتنفيذ.
وهنا أعود إلى فكرة كتبت وتحدثت عنها سابقاً في كتاب «الشيخ التنفيذي». فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لم يقدم نموذج القائد الذي يكتفي بوضع الرؤية من الأعلى، بل نموذج القائد المنشغل بالتنفيذ، والوقت، والنتيجة، والإنسان. ولذلك أقرأ هذه الرسالة أيضاً باعتبارها تحديثاً لهذا النموذج.
فـ«الشيخ التنفيذي» في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون من يعرف أكثر، بل من يسأل أفضل. ولن يكون من يسيطر أكثر، بل من يحرر طاقات فريقه أكثر. ولن يكون من ينتظر اليقين، بل من يبني مؤسسة تستطيع التحرك رغم غيابه.
وربما هذه هي أهم رسالة في النص كله. في عالم اعتدنا فيه أن نقيس القائد بما يعرفه، سنقيسه مستقبلاً بمدى سرعة تعلم مؤسسته.
وفي عالم كنا نكافئ فيه الحرص على عدم الخطأ، سنحتاج إلى مكافأة المبادرة والتجربة. وفي عالم كانت فيه الخطط الطويلة دليلاً على الجدية، قد تصبح القدرة على تغيير الخطة بسرعة دليلاً أكبر على جودة القيادة. وكما تختتم الرسالة، «القادم أسرع مما نتخيل».
عضو مجلس أمناء كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية