ما الذي ينبغي علينا عمله في زمن الفوضى «المنظمة» العارمة؟ وكيف نتصرف إزاء تفجر بعض أدوات العلم والتكنولوجيا في وجوهنا، وانتهاجها مسارات غير تلك التي كنا نطمح إليها؟
وما الذي يمكن اتخاذه من خطوات لمواجهة شطط السياسة العالمية، وانحراف الكثير من قواعد الاقتصاد والتجارة والمال والأعمال بعيداً عما كان معمولاً له حتى سنوات قليلة مضت؟ وكيف يمكن للدول والشعوب الراغبة في حماية نفسها، وتقليص هوامش الخطر والضرر والخسارة حتى تظهر ملامح هذا «المخاض» الإجباري الذي يجتاح العالم، والذي يحتفظ فيه الشرق الأوسط لنفسه بالصدارة؟
لم تعد المسألة حروباً متناثرة، أو تفجر أوضاع مضطربة بين وقت وآخر، بسبب أوضاع ظالمة وحقوق مسلوبة، كما أنها ليست فقط تحولات أيديولوجية تدفع دولاً وأنظمة من اليسار أو الوسط صوب أقصى اليمين، وما يعنيه ذلك من تقلبات كبرى تترتب عليها تغيرات اجتماعية واقتصادية في أمور مثل الهجرة واللجوء والتعددية وقبول الاختلاف.
ما يشهده العالم حالياً هو إعادة تشكيل لقواعده التي ظلت راسخة، ومعروفة إلى حد ما حتى أشهر قليلة مضت. إنها إعادة تشكيل لقواعد القوة والسيادة والهيمنة والتحالفات والاقتصاد والهوية والحاضر والمستقبل.
موجات عاتية من الشعبوية والاستقطاب، وتقلص مساحات الوسطية في السياسة والرأي والتوجه تجتاح دولاً بأكملها، وتراجع لا تخطئه عين أو عقل أو قلب في مساحات التسامح وقبول الآخر واحترام الاختلاف، وهو ما تغذيه، وتتغذى عليه أيضاً مجموعة الحروب والصراعات التي تحظى منطقتنا بنسبة معتبرة منها.
وفي خضم كل هذه المتغيرات تتفجر فقاعات رقمية، وتتطور تقنيات تكنولوجية لتسير في اتجاهات خطيرة ومقلقة، وبعد سنوات من الانبهار والإعجاب بهذا القادم الجديد إلى البشرية ليساعد في نهضتها، ويدعم تطورها، ويساند بحثها العلمي في الطب والهندسة والفضاء والمواصلات وبناء المدن وتحقيق الأمان والتعامل مع الكوارث الطبيعية، وتقليل أضرار الحروب والأزمات وغيرها، إذ به يكشف عن وجوه أخرى وصلت إلى درجة أن يحذرنا علماء وباحثون في إحدى أكبر وأبرز وأهم شركات الذكاء الاصطناعي قبل أيام من أن صميم عملهم، ألا وهو الذكاء الاصطناعي، قد يعرض حياة البشر للخطر، ولم يكتفوا بذلك، بل قالوا إن احتمال أن يقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية بنسبة عشرة في المئة!
أما وهذا هو وضع الكوكب، وهذه هي مجريات السياسية والجيوسياسة والاقتصاد والأمن والحروب والسلامة، وهذا أيضاً هو الوجه الآخر للثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، هل نسلم أنفسنا لليأس والذعر؟ هل تتوقف الشعوب عن العمل والحياة والبناء من أجل الغد؟ هل تتوقف الدول والحكومات عن مسؤولياتها في الأمن والدفاع وتحقيق العدالة وسيادة القانون وإدارة الاقتصاد، وتقديم خدمات الرعاية الصحية والتعليم والترفيه والتثقيف، ودعم الفئات الأكثر ضعفاً واحتياجاً وغيرها، إلى أن يحسم الكوكب أمره، وتنتهي مرحلة مخاض النظام الجديد، وتتضح معالمه؟ بمعنى آخر هل نكتفي بالمشاهدة؟ أم نصر على الهندسة؟
لحسن الحظ أن دولاً عدة في منطقتنا تهندس حاضرها ومستقبلها، كل بحسب أوضاعه وقدراته وإمكاناته، وقد ثبت بالحجة والبرهان منذ تفجر أوضاع منطقة الشرق الأوسط، سواء بما يسمى «الربيع العربي»، أو ما تبعه من حروب أهلية وصراعات، أو اندلاع حرب غزة في 2023، وبالطبع حرب إيران وتوابعها وهوامشها، أن توليفة المرونة الاقتصادية، والانفتاح الدبلوماسي، وإبقاء العقول منفتحة على العلاقات الدولية والتحالفات الجديدة الجاري تدشينها، والرؤى العملية والواقعية غير المتحجرة البعيدة عن «حنجورية» الأزمات، بالإضافة إلى المضي قدماً في الاستثمار في التكنولوجيا وتوظيفها، بما فيه خير الشعوب والدول، مع اتخاذ ما يلزم من أجل تقليص أضرارها، مع الحفاظ على تماسك المجتمع، وفتح القنوات اللازمة، لضمان التواصل والإعلام والإخبار والتوعية، مع رسائل علمية للتأكيد على الأمن والسلامة، واستمرارية البناء والعمل.. أفضل الحلول لمواجهة تطورات الوضع القائم.
وعلى ذكر الاستمرارية ليس هناك ما هو أفضل وأكثر عملية للتأكيد عليها، من إقامة النسخة الأكبر والأهم من «قمة الإعلام العربي»، بحضور عالمي غير مسبوق ومحتوى يواكب ويستبق في يوبيلها الفضي.
