«تنقل الأشجار الحكمة إلى الأجيال التي تليها من خلال بذورها» هكذا يصفها عالم الغابات الألماني بيتر فوليبن، الذي كشف لنا الحياة السرّية للأشجار بوصفها شبكة تواصل وذاكرة وتاريخاً غير مكتوب، في هذا الفهم لا تعيش الأشجار بمعزل عن محيطها وهي تحمل خبرات المكان وتختزن الزمن وتعيد إنتاجه بصمت وتظل حاضرة حتى في أكثر لحظاتها سكوناً وجمالاً وهذا ما نراه ونعيشه ونفهمه ونحن نقرأ سيرة الأخضر «الشجرة» كهوية بصرية أصيلة لمجالس القادة «البرزة».
وفي سيرة «الكرسي» ننتقل من التاريخ الصلب إلى البصري ففي القرن التاسع عشر كانت الكراسي مزخرفة ومرتفعة ومنفصلة عن الآخرين ضمن مفهوم العرش، بينما في القرن العشرين بدأ العرش يختفي وهذا التحول لم يكن ذوقيّاً فقط بل فلسفياً، وهنا في دولة الإمارات في هذا العصر الحديث يمكن الانتباه بأن الكرسي شكّل مدرسة جديدة في العالم وهي مدرسة «البرزة» حين تجد الكرسي يتساوى مع الجميع بل يشبههم كأبناء الأرض وهذا يضعنا في المعنى بأن المكان في «البرزة» أصبح جزءاً من رمزها البصري والقيادة لا تُعرّف بما يجلس عليه بل بكيفية الظهور داخل المشهد، حيث تحيطك الأشجار بعناية ضمن زوايا مختارة، وكراسي مصممة بأناقة من القماش والخشب تشبه تلك التي بقيت على أطراف بيوتنا الدافئة، نشعر أننا داخل مشهد لا يغيب عنه شيء حتى التفاصيل الصغيرة، في أوانٍ بلون الرمل، تحمل في داخلها خيرات الأرض من التمر والرطب، وتجاور دلة القهوة الإماراتية شجرة السدرة الصغيرة وشجرة الغاف وهي تتوزع بهدوء لتصنع حضوراً أخضر يليق بالمكان ومن فيه.
المشهد لا يوحي بأننا أمام بروتوكول رسمي تقليدي بينما هو تركيب بصري هادئ تتوزع فيه العناصر كما لو أنها جزء طبيعي من الفضاء.
الكراسي لا تبدو مفروضة على المكان، والمكان نفسه لا يعرض سلطته لكنه يقدم إنجازاته التي تفوق مراتب العالم، بينما الجالسون في حضن الوطن تترسخ لديهم الحكمة والعطاء لا تغادرهم حفاوة الاستقبال منتبهين إلى الجمال والأناقة بوجود الأطفال إلى «كبار المواطنين» في نسيج اجتماعي يدفعنا داخل نسيج بصري يتحول تدريجياً من ديكور إلى ذاكرة، في المشهد نرى القيادة، رجال الحكومة، أبناء الأرض، الضيوف، جميعهم يتحركون داخل إطار واحد تتداخل فيه القيادة مع الطبيعة، لا حواجز واضحة، ولا فواصل صارمة بين الرسمي والإنساني، وكأن الصورة تقترح شكلاً آخر لفكرة القيادة بوصفها مساحة مشتركة يمكن لكل فرد أن يرى نفسه داخلها.
الأشجار في هذا السياق لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، ولا تعمل كخلفية صامتة للصورة. حضورها أشبه بعنصر سردي حي، يتنفس ويتحرك داخل التكوين العام كعلامة تتجاوز حضورها الفيزيائي، وجود الشجرة في قلب المجلس يعيد تعريف فكرة المركز نفسه، فالمركز هنا لا يرتبط بطاولة أو منصة، بل بكائن حي ينقل لنا الفضاء الرسمي بروح الخير والبركة يبدأ من السلام ولا ينتهي إلا بالأفعال.
