الكلفة التصاعدية

أصبح الأمن العالمي والتجارة العالمية تحت رحمة قاتل مطلوب للإنتربول، ومع ذلك فإن المجتمع الدولي مازال متردداً في تفعيل القانون تجاهه، سواء أوروبا أو الصين أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية، الكل يحسب مقدار كلفة التدخل لوقف هذا المجرم المجنون من منظور مصالحه الضيقة، معتقداً أن ذلك أسلم له وأقل كلفة عليه، لكنه في النهاية سيجد الكلفة تزيد يوماً بعد يوم ولا تنقص، فها هو من بعد غلق مضيق هرمز ينفذ ما هدد به من إغلاق لباب المندب، وتأخر حل قضية هرمز دولياً هو الذي شجعه على تهديد الثاني وزاد الكلفة ضعفين.

السؤال: هل بقيت مسؤولية إنقاذ العالم وإنقاذ الشعب الإيراني على الإيرانيين وحدهم؟ انتظاراً لثورة تُقمع الآن بالرصاص وحبل المشانق؟

كتب أحد الإيرانيين على جدار في طهران: «كم روح إيرانية تكفيك يا وحيدي حتى توقف الحرب؟»، ونحن نسأل العالم: كم روح وكم خسارة تكفيكم لتعلموا أنكم ستدفعون كلفة الخلاص منه عاجلاً أم أجلاً؟

فكلنا نعلم أن جميع الشخصيات التي تتصدر المشهد لا يمكنها أن تملك قرار نهاية الحرب والجلوس للتفاوض، وحده أحمد وحيدي من يملك هذا القرار الأخير، فعند هذه الشخصية حق التواصل وحده مع الإمام وتقرير من يجتمع به، وعنده صلاحية التصعيد العسكري بقيادة الحرس الثوري، وصلاحية القمع الشعبي وتحته رئاسة الباسيج، وعنده حق الوصول لليورانيوم المخصب، ويعمل على خنق التجارة العالمية بالسيطرة على ممرين من أهم الممرات المائية.

فهل ممكن أن يستمر نظام يرأسه شخص مطلوب للإنتربول بتهمة القتل العمد؟

إذ تلاحق منظمة الإنتربول وحيدي منذ عام 2007 لاتهامه بالمشاركة في تفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس بالأرجنتين، في 18 يوليو 1994، والذي أسفر عن مقتل 85 شخصاً، وأدرجت الحكومة الأمريكية وحيدي على القائمة السوداء في يونيو 2010؛ لكن وحيدي هذا يبدو أنه هو الذي يحكم إيران، فهو الذي يملك الكلمة الفصل الأخيرة في المفاوضات، فلذلك فإن الاجتماع أو التفاوض مع أي شخصية أخرى هو مضيعة للوقت، ولذلك تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فتح خطوط اتصال خلفية مع هذه الشخصية المطلوبة للإنتربول الدولي.

أما دائرته المقربة فهو من يعيّنها ولا نجد بصيص أمل في تعيين أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني المعين حديثاً، محسن رضائي، لأن سقف المطالب مقابل «فتح مضيق هرمز» ارتفع بمجرد تعيينه.

وفي أول تصريح علني له منذ تعيينه في المنصب، الأحد، قال محسن رضائي إن مضيق هرمز «لن يُفتح ما لم تُغير أمريكا سلوكها وتقبل شروط إيران».

وقال القائد الأسبق للحرس الثوري، المتشدد، إنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية إنهاء الحرب والإفراج عن أموال إيران المجمدة.

ثم يأتي المرسوم الصادر عن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، في الخامس من يوليو 2026، بتمديد ولاية غلام حسين محسني إيجئي على رأس السلطة القضائية؛ وهو قرار يتخذه وحيدي نيابة عن مجتبى وهي خطوة تتجاوز حدود التعيين الإداري لتكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة.

فإيجئي ليس مجرد مسؤول قضائي، بل يُعد أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالاعتقالات السياسية، والمحاكمات الاستثنائية، وأحكام الإعدام القياسية، وقمع الاحتجاجات الشعبية.

ومنذ توليه مناصب أمنية وقضائية حساسة، ظل حضوره ملازماً لأكثر الملفات دموية، الأمر الذي جعل اسمه مرادفاً لسياسة القبضة الحديدية أكثر من ارتباطه بمفهوم العدالة.

حين تقاعس العالم عن إيقاف وحيدي في الممر الأول خوفاً من التكلفة، تضاعفت الكلفة بالممر الثاني، ولو فكرت هذه الدول التي تعطي وحيدي أنبوبة الأوكسجين الثانية كلما انتهت الأولى إنها إنما تؤجل قراراً حتمياً لما ترددت في اتخاذ القرار اللازم لإنهاء هذه المسرحية الهزلية.