كيف بنت دبي صناعة الإعلام؟

في ديسمبر 1908 أسس توماس إديسون مع كبار المنتجين شركة براءات الصور المتحركة، وربطت صناعة السينما الأمريكية بمنظومة صارمة من البراءات والتراخيص، خلال السنوات التالية تحرك جزء متزايد من الصناعة نحو جنوب كاليفورنيا، حيث اجتمعت الشمس والتضاريس المتنوعة وانخفاض كلفة الإنتاج والابتعاد عن مركز نفوذ منظومة البراءات في الساحل الشرقي.

من هذه المعادلة التشغيلية والاقتصادية نشأت هوليوود قبل أن تصبح عاصمة للخيال العالمي، فالمواهب ورؤوس الأموال تتحرك عادة نحو المكان الذي يوفر للصناعة أفضل شروطها.

قرأت دبي هذه المعادلة مبكراً، في يناير 2001 فتحت مدينة دبي للإعلام أبوابها بملكية أجنبية كاملة وبنية تحتية جاهزة للبث وبيئة تنظيمية صممت لاستقطاب المؤسسات الإعلامية. وبعد خمسة وعشرين عاماً، يضم مجمع تيكوم الإعلامي، الذي يشمل مدينة دبي للإعلام ومدينة دبي للإنتاج ومدينة دبي للاستوديوهات، أكثر من أربعين ألف مهني ومبدع، ويستضيف أكثر من ستين في المئة من شركات «فورتشن 500» العاملة في قطاع الإعلام.

لعقود طويلة ارتبط جزء كبير من الإعلام العربي بنموذج تمويل تقوده الدولة، وعملت المؤسسات الكبرى ضمن منظومات تحددها الميزانيات العامة وأولويات السياسة والاتصال، تجربة دبي أضافت إلى المشهد نموذجاً يقوم على الرخصة والاستثمار والملكية الفكرية وسلسلة القيمة، ويقيس الإعلام بما ينتجه من وظائف وقيمة مضافة وقدرة على جذب رأس المال والمواهب.

تضاعف الوزن الاقتصادي للقطاع تقريباً ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات، إذ ارتفعت مساهمة الإعلام في الناتج المحلي لدبي من 0.49 في المئة عام 2022 إلى 1.42 في المئة في 2025، ويضم نحو 25 ألف شركة إعلامية خاصة ويشغل قرابة 120 ألف شخص. وفي العام نفسه استقطبت دبي 754 مشروعاً جديداً في الصناعات الثقافية والإبداعية، مقابل 227 مشروعاً في لندن و197 في سنغافورة و157 في الرياض، وولدت هذه المشاريع أكثر من 19 ألف وظيفة وجذبت تدفقات رأسمالية قاربت 3.8 مليارات دولار.

قبل خمسة وعشرين عاماً كان ممكناً رسم حدود الإعلام بين صحيفة وقناة وإذاعة، أما اليوم فتحتاج قمة واحدة إلى ثمانية منتديات حتى تجمع ما أصبح يسمى «الإعلام».

قمة الإعلام العربي هذا العام، في أكبر نسخة من تاريخها، تجمع أكثر من عشرة آلاف مشارك وأربعمئة متحدث في أكثر من 175 جلسة، وتمتد من الصحافة والاتصال الحكومي إلى الأفلام والألعاب الإلكترونية وصناعة المحتوى.

وتصف معالي منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام ورئيسة اللجنة التنظيمية للقمة، هذه الدورة بأنها مساحة لاكتشاف الطريق نحو «إعلام عربي قوي ومنافس»، فيما لخصت التحول الأعمق عشية القمة بقولها إن «التحول الرقمي لم يغير أدوات الوصول بل غيّر الإعلام نفسه».

ويظهر هذا التحول بوضوح في مسار جائزة الإعلام العربي نفسها، التي انطلقت عام 1999 باسم «جائزة الصحافة العربية»، ثم أصبحت «جائزة الإعلام العربي».

المسافة بين الاسمين تختصر تحولاً كاملاً في هوية المهنة، من صحافة كانت في مركز تعريف الإعلام إلى منظومة تتداخل فيها الشاشة والمنصة والهاتف والفيلم واللعبة والتكنولوجيا.

حين تحرك صنّاع السينما نحو كاليفورنيا في بدايات القرن الماضي، اجتمعت حولهم الاستوديوهات والممولون والمواهب وشبكات التوزيع، فتحولت الجغرافيا إلى صناعة ثم إلى نفوذ ثقافي عالمي. ودبي بنت منظومتها بالمنطق نفسه وبأدواتها الخاصة، من التشريع والبنية التحتية إلى الاستثمار وحماية الحقوق واستقطاب الكفاءات، ثم وسعتها كلما اتسعت حدود الصناعة نفسها.

لهذا تبدو قمة الإعلام العربي اليوم نتيجة لمسار طويل سبقها ومهّد لها، فالعالم يأتي إلى دبي ليناقش مستقبل الإعلام، فيما بنت المدينة البنية التي تجعل صناعة هذا المستقبل ممكنة.