من يمتلك المستقبل: من يعرف أكثر أم من يتعلم أسرع؟

لم يعد امتلاك المعرفة وحده ميزة كافية كما كان في الماضي. فالعالم الذي كان يمنحنا سنوات طويلة لاكتساب الخبرة، أصبح يتغير بوتيرة تجعل بعض ما نتعلمه اليوم بحاجة إلى مراجعة في وقت أقصر مما نتوقع.

لذلك، ربما لم يعد السؤال الأهم: من يعرف أكثر؟ بل: من يستطيع أن يتعلم أسرع؟

لسنوات طويلة، كان تراكم المعرفة هو الطريق الطبيعي إلى التقدم. ندرس، نكتسب الخبرة، نضيف إلى ما نعرفه عاماً بعد عام، ثم نستخدم هذا الرصيد في العمل واتخاذ القرارات. وكانت الخبرة الطويلة تمنح صاحبها أفضلية واضحة، لأن الوصول إلى المعرفة لم يكن سهلاً.

أما اليوم، فالمعادلة تغيرت. فعلى الرغم من أن المعرفة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، فإن وتيرة تطورها أصبحت أكبر أيضاً.

تظهر أدوات جديدة، وتتطور التخصصات، وتتبدل أساليب العمل، وتفرض تحديات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.

وهنا تبرز قيمة ربما أصبحت من أهم مهارات المستقبل، وهي القدرة على إعادة التعلم؛ فالتعلم لا يعني فقط إضافة معلومة جديدة إلى رصيد قائم، بل قد يعني أحياناً التخلي عن طريقة قديمة، أو إعادة النظر في افتراض اعتدنا عليه، أو اكتشاف أن الإجابة التي كانت صحيحة بالأمس لم تعد مناسبة للسؤال المطروح اليوم.

وفي هذا السياق، تأتي عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله:

«الإنسان المتسلّح بالعلم والمعرفة هو رهاننا لصناعة المستقبل»، لتؤكد أن المستقبل لمن يدرك قيمة المعرفة، ويعرف كيف يواكب تطورها ويحوّلها إلى قدرة على الفهم والتطوير والابتكار ومواجهة ما يستجد من تحديات. فالمعرفة لا تصبح قوة حقيقية بمجرد امتلاكها، وإنما بقدرتنا على تحديثها وتوظيفها وتحويلها إلى أثر وقيمة.

والقدرة على التعلم المستمر تمنح الأفراد والمؤسسات والمجتمعات فرصة مستمرة للتكيف، فالمؤسسة التي تتعلم من أخطائها تستطيع أن تتطور، والمجتمع الذي يراجع أدواته وأفكاره يستطيع أن يستجيب للتغيير، أما من يعتقد أن ما نجح بالأمس سيظل كافياً للغد، فقد يكتشف أن العالم يتقدم بينما هو ثابت في مكانه.

ربما لهذا، لم تعد الميزة الحقيقية في أن نعرف كل شيء، فهذا لم يعد ممكناً أصلاً، وإنما الميزة في أن نعرف كيف نتعلم، وماذا نتعلم، ومتى نحتاج إلى إعادة النظر فيما نعرفه. فالمعرفة تمنحنا القدرة على النجاح في الحاضر، أما التعلم المستمر فيمكّننا من صناعة المستقبل.

رئيس مجموعة الدكتور أحمد النصيرات للتميز والابتكار