حضرت عزاءً لشاب في مقتبل العمر رحل في حادث مأساوي. كان من تلك العزاءات التي تبقى عالقة في الذاكرة؛ ليس فقط لفداحة الفقد، بل لأن الحزن كان حاضراً في كل زاوية... في الوجوه، وفي الصمت، وفي عيونٍ لم تجف دموعها بعد.
وسط ذلك كله، استوقفني مشهد لم أستطع تجاهله.
دخلت بعض السيدات بالمخوّرات المرصعة بالكريستال، والعباءات المزينة بالدانتيل، والرموش والأظافر المركبة، والمكياج الكامل، والمجوهرات والحقائب اللافتة.
وقفت أمام هذا التناقض الصارخ بين ثقل الحزن وبريق المظهر، وتساءلت: متى أصبح هذا مقبولاً في بيتٍ يسكنه الفقد؟
ليس اعتراضي على الجمال والأناقة أبداً، ولا على أن تهتم المرأة بمظهرها، ولكن هناك لحظات يصبح فيها خفوت حضورنا أبلغ تعبير عن احترامنا؛ لحظات لا مكان فيها للفت الأنظار، لأن الحزن وحده يملأ المشهد. لحظات يكون فيها احترام مشاعر الآخرين أهم من أي شيء آخر.
لأن أمامنا أباً وأماً فقدا ابنهما، وعائلةً انقلبت حياتها في لحظة، وأشخاصاً ما زالوا يحاولون استيعاب أن من كان بينهم بالأمس لم يعد موجوداً اليوم.
ولم يكن المظهر وحده ما استوقفني، بل السؤال الأكبر الذي يقف خلفه: هل بدأ يتغيّر في وعي البعض معنى العزاء نفسه؟ وهل تسللت إلى مجالسه، شيئاً فشيئاً، عادات لا تشبه حرمة الحزن ولا وقار المواساة؟
نسمع أحياناً في بعض مجالس العزاء ضحكات ترتفع، وأحاديث جانبية تطول، وأخباراً تُتبادل وكأننا في لقاء اجتماعي. نرى من تنشغل بهاتفها، ومن تطيل الجلوس لأنها التقت بمن لم ترهم منذ فترة، ومن تصل بعد انتهاء الوقت المحدد لأن ذلك أنسب لجدولها.
قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة، لكنها في الحقيقة تقول الكثير عن فهمنا للموقف وعن مقدار المساحة التي نمنحها لحزن الآخرين.
العزاء ليس مناسبة اجتماعية
نحن لا نذهب لنلتقي، بل لنواسي، لا نذهب لنقضي وقتاً، بل لنمنح أهل الفقيد شعوراً بأننا بجانبهم في أصعب أوقاتهم، وهناك فرق كبير بين أن نحضر العزاء، وبين أن نُحسن الحضور.
وفي ثقافتنا الخليجية والعربية والإسلامية، كان للعزاء دائماً وقاره. ندخل بهدوء، نسلّم، نواسي، ندعو للميت، نجلس بما يليق بالمقام، ثم نغادر من دون أن نثقل على أهل الفقيد. لم تكن آداب العزاء يوماً قواعد مكتوبة، بل قيماً نشأنا عليها وتعلمناها من أسرنا ومجالسنا؛ نعرف معها متى نصمت، وكيف نحترم وجعاً لا نعرف ثقله. فحرمة الحزن ليست عادة اجتماعية، بل انعكاس لما نحمله في داخلنا من قيم.
وهذا الاحترام يبدأ من أبسط التفاصيل.
مواعيد العزاء، مثلاً، ليست اقتراحاً، حين تحدد الأسرة ساعات لاستقبال المعزين، علينا أن نتذكر أن خلف تلك المواعيد أهل أثقلهم الفقد، يستقبلون الناس وقلوبهم ما زالت تحاول استيعاب الغياب، فلا نجعل راحتنا أولوية على حساب وجعهم، ولا نطيل حضوراً يفترض أن يكون للمواساة لا للمجاملة.
احترام الوقت جزء من احترام الحزن.
وكذلك المظهر
وأقولها بصراحة: العزاء ليس مكاناً للزينة أو الاستعراض، فنحن لا نذهب إليه لنُرى، بل لنواسي.
الأناقة لا تتعارض مع الاحترام، والبساطة لا تعني الإهمال؛ إنما المسألة في فهم المقام وحُسن تقديره.
فحين نجلس أمام من أثقلهم الفقد، يصبح خفوت حضورنا شكلاً من أشكال الاحترام، وتصبح البساطة أبلغ من أي مظهر.
فقيمتنا في تلك اللحظة لا تُقاس بما نرتديه، بل بذوقنا الإنساني وقدرتنا على أن نعرف متى نتراجع عن الواجهة، ونترك المساحة كاملة لأصحاب الحزن؛ فالمقام هنا للمواساة، لا للظهور.
والبساطة التي نحتاجها في حضورنا، نحتاجها أيضاً في إقامة العزاء نفسه.
فقد أصبحت المبالغة في الضيافة في بعض مجالس العزاء لافتة. بوفيهات كاملة، أصناف متعددة من الطعام والحلويات، وضيافة تمُرّ بين الحضور بلا توقّف، وأحياناً ترتيبات وتجهيزات تجعل المشهد أقرب إلى مناسبة اجتماعية منه إلى مجلس عزاء.
ولماذا كل هذا؟ ففي يوم الفقد، لا يُختبر كرم أهل الفقيد بما يقدمونه، ولا ينبغي أن نحمّل من أثقلهم الحزن عبء إكرام من جاء أصلاً لمواساتهم.
هم يعيشون أياماً من أصعب أيام حياتهم، وآخر ما يحتاجونه هو عبء التفكير في البوفيه، وأصناف الطعام، والحلويات، والضيافة، وما إذا كان ما قدموه «يليق» بالحضور.
الماء والقهوة والشاي والتمر تكفي. نحن ذاهبون لنواسي، لا لنشبع.
بل أعتقد أن علينا كمجتمع أن نساعد بعضنا بعضاً على العودة إلى هذه البساطة. لأن المشكلة ليست فقط في التكلفة أو المبالغة؛ المشكلة في أن ما يبدأ كاختيار شخصي من عائلة قد يتحول مع الوقت إلى عادة، ثم إلى مقارنة، وبعدها إلى توقع اجتماعي.
وفجأة تجد عائلة أخرى، وهي في عزّ حزنها، مضطرة إلى فعل الشيء نفسه حتى لا يقال إنها «قصّرت».
وهكذا نصنع بأيدينا التزامات اجتماعية لم يطلبها منا أحد.
وليس كل ما نستطيع أن نقدمه، يجب أن نقدمه. أحياناً يكون الامتناع عن المبالغة هو عين الذوق والاحترام.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نعيد العزاء إلى معناه الحقيقي. نحن مجتمع نفخر بقيمنا، ونحرص على أن نورث أبناءنا ما ورثناه عن أهلنا من عادات وأصول. لكن هذه القيم لا تُحفظ بالكلام عنها، بل بممارستها، خصوصاً في اللحظات التي تختبر إنسانيتنا.
والعزاء واحد من تلك اللحظات...
آدابه ليست قواعد جامدة، ولا شكليات اجتماعية. هي احترام. أن نعرف كيف ندخل بيتاً فيه حزن، وكيف نتحدث، وماذا نرتدي، ومتى نحضر ومتى نغادر. أن نعرف متى نصمت، ومتى نكتفي بالقليل، ومتى نتراجع نحن إلى الخلف لأن اللحظة ببساطة ليست عنا.
ربما لم نفقد آداب العزاء، لكننا بدأنا نتساهل في بعضها. والتساهل اليوم يصبح عادة غداً، والعادة تتحول مع الوقت إلى عُرف، ثم يأتي جيل لا يعرف أن الأمر كان مختلفاً يوماً، ولا يدرك أن وراء تلك التفاصيل الصغيرة قيماً من الاحترام ومراعاة المشاعر توارثناها جيلاً بعد جيل.
وليس المقصود أن نقول للناس كيف يحزنون، ولا كيف يواسون، بل أن نذكر أنفسنا قبل غيرنا بأن بعض العادات تستحق أن نتوقف عندها قبل أن يتلاشى معناها بهدوء.
فالعزاء في جوهره لا يحتاج إلى الكثير: حضور صادق، ومواساة خالصة، ودعاء للراحل، واحترام لحزنٍ لا يعرف ثقله إلا من يحمله.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نقدّمه في لحظات الفقد هو أن نفهم حرمة الحزن، وأن نكون فيه عوناً لا عبئاً، وسكينةً لا ضجيجاً.
فهل نسينا فعلاً آداب العزاء... أم أننا نحتاج فقط أن نتذكرها؟