تتجاوز التجارب الإبداعية المؤثرة حدود استقطاب أبناء المجتمع إلى المساحات الثقافية، فقيمتها الحقيقية تكمن في إتاحة المجال أمام الجمهور للتفاعل مع الأفكار والإبداع بطرق تلامس اهتماماته، وتثري معارفه، وتعزز حضوره الفاعل في المشهد الثقافي.
وفي دبي تعودنا أن ننظر إلى المشاركة الثقافية بوصفها جزءاً من حياة المدينة وأفرادها، ما يعكس قوة الثقافة ودورها في بناء المجتمع، وتقريب المسافات بين التخصصات ووجهات النظر المختلفة، انطلاقاً من حرصنا على أن تكون الثقافة متاحة للجميع، وقادرة على تجاوز حدود المساحات التقليدية، لتصبح جزءاً أصيلاً من تفاصيل المدينة ونسيجها اليومي، ويشكل هذا الطموح جوهر «استراتيجية دبي الثقافية»، التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة من مسيرة التنمية الثقافية في دبي، وتقود توجهاتنا نحو بناء مشهد ثقافي يثري حياة الأفراد، ويدعم استدامة المنظومة الإبداعية، ويرسخ حضور دبي في الحوارات الثقافية الدولية ويبرز دورها في صياغتها وتوجيه مساراتها، ما يعزز مكانتها مرجعاً ثقافياً عالمياً ومحركاً للاقتصاد الإبداعي.
وتأتي النسخة الـ 31 من المؤتمر الدولي للفنون الرقمية والواعدة (ISEA2026)، التي تستضيفها دبي خلال الفترة من 6 حتى 15 نوفمبر 2026، لتجسد هذه الرؤية عملياً، وتقدم نموذجاً جديداً لحضور الثقافة في المدينة وتفاعل الجمهور معها. وسيُقام المؤتمر وفق نموذج هجين متكامل، يربط من خلال برنامجه الأكاديمي بين المشاركين من مختلف أنحاء العالم عبر المنصات الرقمية، بينما تمتد فعاليات برنامجه الفني إلى مواقع متعددة في دبي، لتنقل الفنون الرقمية إلى فضاءات متنوعة تفتح أمام الأفراد مسارات مختلفة للتفاعل معها عن قرب.
وتكمن أهمية المؤتمر في قدرته على جمع أصوات وخبرات وممارسات مختلفة في مساحة واحدة، يلتقي فيها الفنانون بالجمهور، والباحثون بالممارسين، وتتقاطع الرؤى العالمية مع الخبرات المحلية. ومن خلال الحوار الذي يفتحه المؤتمر بين الفن والعلوم والتكنولوجيا ومجالات البحث والممارسة المختلفة، تتشكل بيئة خصبة للتجريب وتبادل المعرفة، وتفتح آفاقاً جديدة للتفكير الإبداعي تسهم في تطوير فهمنا لعلاقتنا بالمجتمع والمكان والبيئة والمستقبل.
ويكتسب مفهوم «الفن في كل مكان» بعداً خاصاً في دبي، فعندما تمتد التجارب الثقافية عبر أرجاء المدينة، تتسع دائرة الجمهور، وتتحول المساحات المألوفة إلى ساحات للقاء أعمال فنية غير متوقعة ومعايشة تجارب غامرة، فيما يمكن لرحلة عادية في المدينة أن تقود إلى استكشاف أشكال جديدة من التعبير الإبداعي، عندها تصبح الثقافة حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية، نلتقي بها ونتفاعل معها ونسهم في تشكيلها. وتتمثل قيمة هذا الحضور في قدرته على توثيق الروابط بين الناس والمبدعين والمدينة، وتعزيز شعور الأفراد بالانتماء ودورهم في الحياة الثقافية في دبي. ويمتد هذا الأثر إلى المنظومة الإبداعية نفسها، فالجمع بين الفنانين والباحثين والمؤسسات الثقافية والأكاديميين والمتخصصين في التكنولوجيا وأفراد المجتمع يهيئ مناخاً تتلاقى فيه الخبرات والمعارف، وتُناقش فيه الأفكار من زوايا مختلفة، بما يمهد لشراكات نوعية وممارسات إبداعية أكثر تقدماً تعزز حيوية المشهد الثقافي المحلي واستدامته.
لطالما شكلت دبي ملتقى للناس والثقافات والأفكار، واستمدت من هذا التنوع قوتها وحضورها على الخريطة الدولية. ومن خلال استضافتها لهذا المؤتمر، تفتح الإمارة آفاقاً أوسع لحوار عالمي حول الفنون الرقمية والواعدة، وتقدم في الوقت نفسه تجربة متفردة تعكس خصوصيتها، بوصفها مدينة منفتحة على العالم، راسخة في ثقافتها وتاريخها وقيمها، وقريبة من مجتمعاتها.
ومع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر في نوفمبر المقبل، يمثل الحدث فرصة لإعادة التفكير في حضور الثقافة في حياتنا، وفي المساحات التي يمكن أن تصل إليها، والأدوار التي يمكن أن تؤديها في مدينة تتطلع دائماً إلى ابتكار طرق جديدة للتفاعل مع الفن والإبداع، إيماناً بأن الثقافة عندما تكون للجميع، تصبح المدينة نفسها فضاءً للاكتشاف والإبداع والتواصل.



