نسيتونا حبايبنا

هل فعلاً هناك ذاكرة أبدية للشعوب؟

ذاكرة الشعوب لا تنتمي إلى عقل واحد، فهي موزعة بين الناس، والمدن، واللغة، والتاريخ، والموسيقى، والبقاء هنا ليس بعداً زمنياً، فهو حضور متحرك لا يبقى عند شخص واحد وينتقل من جيل إلى آخر، وما يعزز بأن تكون ذاكرة الشعوب حية هي المبادرات التي تضع كل شيء في مقام الحالة المفتوحة وتقدمه للجيل والذاكرة بوفرة من الجمال والبقاء.

صوت الفنان جابر جاسم، الذي رحل عنا قبل 25 سنة، أخذ القصيدة الإماراتية التي تشبهنا إلى حالة موسيقية معاصرة، وأكد مع كل أغنية أنه مارس مع الفن حالة التأكيد البشري ببقاء الصوت واللغة والموسيقى. ونحن هنا أمام ليلة استثنائية يقدمها مركز أبوظبي للغة العربية بعنوان (نسيتونا حبايبنا) في المجمع الثقافي – أبوظبي ، ليأتي العنوان نفسه ضمن الشجن والغياب حين يؤكد غياب الأحبة، ليكون الحضور أمام حالة جمال لأغنيات تعيش معنا إلى اليوم، من (سيدي – غزيل الفلة – صاح بزقر لمنادي).

عُرف جابر جاسم في رحلته الغنائية بالبحث عن الكلمة والقصيدة، وعُرف باختياراته الذكية من الوالد المؤسس الشيخ زايد، رحمه الله، إلى الكندي وعتيج بن روضة الظاهري وسالم سيف الخالدي وسعيد بن عتيج والجمري والعديد من الشعراء الإماراتيين، الذين نقل كلماتهم في رحاب الموسيقى والصوت الشجي إلى مستمعين في الخليج والوطن العربي.

كان الهاجس عند جابر أن يقترب إلى الموسيقى أكثر، ومن هنا كانت رحلته إلى القاهرة ليشكل حضوراً عصرياً جديداً للأغنية الإماراتية، ينقلها من الفطرة الأصلية إلى فهم الأغنية بوصفها بناءً موسيقياً متكاملاً، ونقل معها الأغنية إلى دخول الفرقة الموسيقية في صلبها. ومع عودته ازدهر حضور جابر على المسرح مع التزام كامل بالأغنية الإماراتية، ونقلها عبر العازفين والموسيقيين من لفظ معبّر إلى حالة من المشاعر تُبث عبر الراديو والتلفزيون، وتشكل ذاكرة الناس وهم في الطرقات والبيوت ومناسباتهم. وهنا نؤكد أن القاهرة لم تعطِ جابر هوية موسيقية، أعطته الأدوات التي مكنته من إعادة صياغة هويته الإماراتية موسيقياً.

هل صوت جابر هو صوتنا القديم في الغناء؟ بالتأكيد هناك أسماء كثيرة وعديدة قدمت نفسها قبل جابر، وبقينا مدركين لقيمتها إلى اليوم، حتى لو لم تمسها الموسيقى يوماً سوى إيقاع وآلة العود. تلك الأصالة واضحة ولها قيمتها الرمزية، وستبقى ما بقي الإنسان. وفي حضرة الفن والموسيقى سنجد أنفسنا أمام قامة جابر جاسم، الذي وضع الكلمة الإماراتية في الموسيقى ورافقها بنفسه ليجد طريقه إلى قلوبنا.

(نسيتونا حبايبنا) عنوان للشاعر الكبير سالم سيف الخالدي، الذي وضع بصمته الكبيرة في الأغنية الإماراتية والخليجية، ومع جابر في هذه الأغنية وضعا علامة فارقة لذاكرتنا الموسيقية، ليأتي السؤال الأكبر: هل نحن ننسى؟ وكيف علينا أن ننسى جابر جاسم الذي غنى للإمارات أجمل الأغاني، ولأبوظبي ودبي (غزيل الفلة فدبي لاقاني) ولكل شيء حي بداخلنا من مشاعر.

في ليلة جابر تأتي الأصوات لتعيد بروح عصرية جمال ما بقي بداخلنا، وعند الذهاب إلى أغلفة (الكاسيتات) سنجد أنفسنا أمام حالة فنية مزدهرة في اللون والملابس والعناوين، بدأت بالسبعينيات إلى التسعينيات، وهي الآن في الذاكرة البصرية جزء من الفنون.

نعيد ما عرفناه مسبقاً.. الفنون وحدها قادرة على إحياء الذاكرة البشرية، لأنها تمثل الصوت واللغة التي بدأت مع أول إنسان على الأرض، وستبقى مع آخر كائن بشري.