أتمنى من الإخوة المحللين السياسيين، الخليجيين تحديداً، سواء الذين تستضيفهم القنوات التلفزيونية أو الندوات، أو يكتبون في الصحف أو وسائل التواصل الاجتماعي، النظر إلى وضعنا الحالي، في هذه الظروف الاستثنائية من منظور مصالح دولنا الخليجية.
وهو منظور مختلف تماماً عن منظور دول الشمال العربي الآسيوي والأفريقي، ومختلف كذلك كل الاختلاف عن منظور الحزب الديمقراطي واليسار الأمريكي، وبالتالي، مختلف عن أغلب الصحف والقنوات الأمريكية المناوئة للرئيس دونالد ترامب.
إن نجحنا في التخلص من هذه المؤثرات عند بناء وجهات نظرنا، واستعارة مؤشرات تلك الجهات لتشخيص وضعنا، فبإمكاننا أن نتعرف من جديد إلى مصالحنا الخليجية الصرفة، المختلفة تماماً عن مصالح تلك الجهات، وبالتالي، سنحكم ونقيس الأمور بمؤشرات مختلفة تماماً، وليس في ذلك ما يعيب أو يشين.
بالنسبة للمحللين من الإخوة العرب، لم يمر على العالم العربي وعلى دول الخليج ظرف كالذي نعيشه هذه الأيام، إلا في أواخر التسعينيات، حين غزا صدام حسين الكويت، واكتشفنا حينها تباعد وجهات النظر بيننا وبين العديد من الدول العربية التي نكنّ لها كل الود والاحترام.. لكن بعدهم عن مركز الحدث، جعل المنظور مختلفاً بيننا وبينهم، والحمد لله أن تحرير الكويت لم ينتظر اتفاق المؤشرات وتوحيد وجهات النظر، بل انطلق من منظور أمني خليجي، يعلم أن الغزو جريمة في حق شعب عربي خليجي، لا يمكن القبول بها أبداً.
حينها، كانت الآراء في غالبية الدول العربية ترى أن ما تفعله دول الخليج هو جريمة في حق القومية العربية، لأنها فتحت أراضيها لقوات أجنبية للهجوم على دولة عربية، هي العراق.. والحمد لله أن الكويت تحررت وعادت لأهلها، ولم يُعِر أحد من قادة الخليج أو الشعوب الخليجية أي اهتمام لتلك الاتهامات الجوفاء من الإخوة العرب.
لذلك، فإننا نعجب من استمرار بعض المحللين والمراقبين الخليجيين في النظر إلى الأحداث في منطقتنا، وإلى ما يفعله ترامب مع إيران، أنه تخبط وجنون، سائرين في ذلك سير المحللين العرب الذين ينظرون من ذات المنظور التسعيني لدول الخليج، وهو المنظور ذاته الذي يراه اليسار الأمريكي وإعلامه المناهض لإدارة ترامب، دون النظر إلى واقعنا ومصالحنا وأمننا.
ترامب هو أول رئيس أمريكي أخذ على عاتقه أن يفعل ما تردد في فعله جميع الرؤساء السابقين، رغم اقتناعهم التام بأن هذا النظام الإيراني لا يمكن أن يستمر، وأنه خطر على العالم أجمع، لكنهم جميعاً آثروا الاستفادة منه واحتواءه قدر المستطاع، ترامب هو الوحيد الذي فعل ما كان يجب فعله منذ 40 عاماً.
هذا إذا نظرنا إلى التهديدات التي تخص دولنا الخليجية، والخطر الجاثم الذي اضطررنا للتعامل معه طوال تلك العقود.. لذلك، فإن أي خسائر تدفعها دول الخليج الآن، لا تُذكر أمام الفوائد التي ستجنيها على المدى البعيد، سواء بقي هذا النظام بضعفه أو انتهى، ففي كلتا الحالتين دول الخليج هي الأكثر استفادة، نحن نشهد نهاية مشروع طويل، امتد إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر، على حساب أربع دول عربية، بكماشة تحيط بنا، وهو مشروع قام بأعمال إرهابية، راح ضحيتها أبناء من دول الخليج، وليس هناك غير ترامب من سيجازف مثله بإنهاء هذا المشروع.
نعلم ما هي مصلحة ترامب الخاصة، فلسنا بالسذج، لكننا نعلم أيضاً أنها مصلحة تتفق مع مصلحتنا الأمنية، أي أن ما فعله ترامب إلى الآن يصب بالدرجة الأولى في مصلحة الخليج العربي ودوله بضفتيه، بمن في ذلك الشعب الإيراني.
العديد من المحللين الخليجيين يدركون ذلك، ومقتنعون به، لكنهم مع الأسف يخشون هجمة الزمالة، ويتجنبون المعارك التي واجهها مفكر مثل أحمد الربعي، رحمه الله، في التسعينيات، على سبيل المثال، أو أن بعضهم ينقل ما تبثه الصحف الأمريكية ومراكز الفكر والاستشارات الأمريكية، مفضلين نقل ما يكتبه اليسار الأمريكي، الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى إظهار ترامب كفاشل، على أن ينظروا لواقعنا ومعطياتنا والانعكاسات الحقيقية على أمننا. الخلاصة، نعم استفدنا من ترامب، شاء من شاء وأبى من أبى.
