الذكاء الاصطناعي المنهج الذي تصدّره الإمارات

في عام 1843 سافر هوراس مان، أول مسؤول عن التعليم العام في ولاية ماساتشوستس، إلى بروسيا، القوة الأوروبية التي قامت على جزء كبير من أراضيها ألمانيا الحديثة، لدراسة تجربتها التعليمية، وعاد بتقرير أعاد تشكيل المدرسة الأمريكية لقرن كامل، من تنظيم الصفوف إلى تدريب المعلمين.

بعده بثلاثة عقود، أرسلت اليابان بعثة إيواكورا إلى أوروبا وأمريكا لدراسة النظام التعليمي قبل المصانع، فالدول التي تصدّر طريقة تعليمها، تترك بصمتها على أجيال دول أخرى، وامتحانات كامبريدج التي بدأت في القرن التاسع عشر، مثلاً، تُدرّس اليوم في أكثر من 160 دولة.

هذا الأسبوع دخلت الإمارات هذه المساحة، مع قرار مجلس الوزراء إتاحة منهجها للذكاء الاصطناعي للأنظمة التعليمية والمدارس حول العالم.

لسنوات وُصف سباق الذكاء الاصطناعي بأربع طبقات: الرقائق، ومراكز البيانات، والنماذج، ورأس المال، والإمارات بنت حضورها في كل طبقة منها بمنهج واضح، اكتساب القدرة، ثم توطينها، ثم بناء منتج إماراتي قادر على الخروج إلى العالم.

في طبقة النماذج، طورت الإمارات K2 Think، الذي يضاهي أداء نماذج تفوقه بعشرين ضعفاً في الحجم، وأتاحته مفتوح المصدر للعالم.

واليوم، تضاف طبقة خامسة، طبقة الطفل، ففي مايو 2025 دخل الذكاء الاصطناعي مادة إلزامية في المدارس الحكومية، من الروضة إلى الصف الثاني عشر، وبحلول يناير 2026، كان أكثر من 280 ألف طالب يدرسونه، وبحسب وزيرة التربية والتعليم، فإن النظام الحكومي الإماراتي، هو الوحيد في العالم الذي يدرس هذه المادة في جميع الصفوف، وفي سبتمبر 2026، امتد المنهج إلى المدارس الخاصة مادة مستقلة، مع برنامج لتدريب 22 ألف معلم، وفُتح الباب أمام إتاحته للأنظمة التعليمية خارج الدولة، وما تحقق في طبقة النماذج خلال سنوات، تحقق في طبقة التعليم خلال ستة عشر شهراً.

المقارنة مع التجارب الأخرى تكشف أين تكمن الصعوبة الحقيقية، فمدارس بكين فرضت منذ سبتمبر 2025، ثماني ساعات سنوية على الأقل من دروس الذكاء الاصطناعي على كل طالب، بدءاً من سن السادسة، وأبقت الصين منهجها ضمن منظومتها التعليمية، وكوريا الجنوبية أطلقت في مارس 2025 كتباً مدرسية تعمل بالذكاء الاصطناعي، بإنفاق حكومي تجاوز 3 مليارات درهم، وبعد أشهر تحولت هذه الكتب إلى مواد تعليمية اختيارية، إثر اعتراضات من معلمين وأولياء أمور، ومخاوف تتعلق بجاهزية المدارس وتدريب المعلمين، وتراجع اعتمادها من 37 % من المدارس إلى 19 %.

الدرس الكوري واضح، التكنولوجيا تُشترى في أشهر، والمعلم يُعد في سنوات، والإمارات وضعت إعداد المعلم في قلب عملية التوسع، فبعد عام من تجربة المنهج وتطويره في المدارس الحكومية، بدأت توسيع تطبيقه، بالتوازي مع إعداد المعلمين لتنفيذه، فالمنهج القابل للتصدير، يحتاج إلى معلم قادر على تحويله من محتوى مكتوب إلى تجربة تعليمية ناجحة.

تصدير منهج يختلف عن تصدير نموذج أو رقاقة، فالمنهج يحمل معه طريقة في التفكير: «ماذا يسأل الطفل عن الآلة، وأين تقف الأخلاق من الخوارزمية، وما الذي يجب على الإنسان أن يحتفظ به لنفسه؟».

الولايات المتحدة والصين تتنافسان اليوم على تحديد معنى الذكاء الاصطناعي عالمياً، عبر النماذج والمعايير، في حين يفتح التعليم مساحة أخرى للتأثير، تمتد إلى الطريقة التي تفهم بها الأجيال الجديدة هذه التقنية وتتعامل معها.

والمنهج الإماراتي المكتوب بالعربية والإنجليزية، يضيف إلى هذا المشهد تجربة تعليمية، خرجت من دولة بنت خلال أقل من عقد منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، من المدرسة والجامعة، إلى مختبرات البحث والنماذج ومراكز البيانات.

وهنا تتجاوز قيمة المنهج حدود المدرسة، فالنماذج التعليمية التي تنتقل بين الدول، تحمل معها خبرة الدولة التي صممتها، وطريقتها في التعامل مع المعرفة والتكنولوجيا، ويزداد أثرها مع كل طالب ومعلم ومدرسة تتبناها.. لهذا ظل أثر نماذج تعليمية نشأت قبل أكثر من قرن حاضراً في أنظمة تعليمية حول العالم حتى اليوم، وتملك الإمارات الآن فرصة لإضافة تجربتها إلى هذا التاريخ، من بوابة التكنولوجيا التي ستحدد جانباً كبيراً من اقتصاد القرن الحادي والعشرين.

في 1843 سافر هوراس مان إلى بروسيا، بحثاً عن نموذج يبني به المدرسة الأمريكية، وبعد نحو قرنين، قد يسافر نموذج تعليمي في الاتجاه المعاكس، من دولة عربية إلى مدارس تبحث عن أدواتها لعصر الذكاء الاصطناعي.

الرقائق تمنح الدولة قدرة حوسبية، والنماذج تمنحها قدرة تقنية، والمنهج يمنحها أثراً يعيش في عقول جيل كامل، وعندما تبدأ الدول بتصدير الطريقة التي يتعلم بها الآخرون، تكون قد انتقلت من استهلاك المعرفة إلى صناعة مرجعيتها.