علاقات تصنع المستقبل

تكتسب زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا أهمية تتجاوز بعدها الثنائي، لأنها تأتي في لحظة يعاد فيها رسم خرائط التحالفات والمصالح، وتزداد فيها حاجة الدول إلى شركاء يمكن الوثوق بهم سياسياً واقتصادياً.

ومن هنا، فإن العلاقات الإماراتية الألمانية لا تقف اليوم عند حدود التجارة والاستثمار، بل تتجه إلى شراكة أكثر اتساعاً وتأثيراً، تستند إلى أكثر من خمسة عقود من الثقة، وإلى رؤية مشتركة تؤمن بالحوار، والاستقرار، والانفتاح الاقتصادي، والعمل المؤسسي طويل المدى.

هذا الأساس السياسي هو ما يمنح الشراكة قوتها. ففي عالم تتصاعد فيه الأزمات والانقسامات، تحتاج أوروبا إلى شركاء قادرين على المساهمة في الاستقرار، وحماية تدفقات التجارة والطاقة، ودعم الحلول السياسية بدلاً من إدارة الأزمات فقط. والإمارات أثبتت في أكثر من ملف أنها شريك موثوق، يمتلك علاقات واسعة وقدرة على التحرك والتواصل مع أطراف متعددة.

وفي المقابل، تمثل ألمانيا، بثقلها السياسي والاقتصادي داخل أوروبا، شريكاً مهماً للإمارات في توسيع حضورها داخل القارة وتعميق التعاون مع واحدة من أكبر القوى الصناعية والتكنولوجية في العالم.

هذه الأرضية السياسية تفتح المجال أمام شراكة اقتصادية أكثر طموحاً، فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1972، ثم الشراكة الاستراتيجية في 2004، وتوسيعها في 2019 و2022، انتقلت العلاقة إلى مجالات الطاقة، والصناعة المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي والابتكار.

ولا تعكس الأرقام إلا جانباً من هذه العلاقة؛ فالتجارة الثنائية تجاوزت 13.56 مليار يورو في 2025، فيما تعمل في الإمارات نحو 2000 شركة ألمانية، لكن القيمة الأهم تكمن في ما يمكن البناء عليه: استثمارات جديدة، ونقل معرفة، ووظائف نوعية، ومشاريع تعزز مرونة الاقتصادين.

زيارة صاحب السمو رئيس الدولة إلى ألمانيا، بهذا المعنى، ليست مجرد تطوير لعلاقة ناجحة، بل خطوة في اتجاه شراكة ذات وزن سياسي واقتصادي أكبر.

وفي عالم سريع التغير، لا تصنع الدول مكانتها بما تملكه فقط، بل أيضاً بنوعية الشركاء الذين تختارهم. والإمارات وألمانيا تملكان اليوم فرصة لتحويل خمسة عقود من الثقة إلى شراكة أكثر قدرة على التأثير في المستقبل.