عندما يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، للأجيال، لا تكون الكلمات مجرد نصوص تُكتب لتُقرأ، بل تجربة تُختصر، وحكمة تُنقل، وطريق يُمهّد لمن سيأتي بعده.
وحين يعلن سموه أن كتابه الجديد «الرسائل»، بعد ما يقارب ستين عاماً من العمل العام في خدمة الوطن، فإننا لا نقف أمام كتاب جديد يضاف إلى المكتبة العربية فحسب، بل أمام تجربة قائد قرر أن يحوّل ما عاشه وتعلّمه وصنعه إلى إرث معرفي تملكه الأجيال القادمة.
فأجمل ما في إعلان سموه عن كتابه أنه اختصر فلسفة كاملة في عبارة واحدة: «أعمارنا هي جزء من قصة أوطاننا»،.. هذه العبارة وحدها تستحق الكثير من التأمل.
فالإنسان عادة يحسب عمره بالسنوات، أما القائد فيحسبه بما تركه في عمر وطنه. كم بنى؟ كم غيّر؟ كم فكرة أطلق؟ كم إنساناً مكّن؟ وكم طريقاً فتح أمام من سيأتي بعده؟ هنا يصبح العمر مسؤولية، وتصبح التجربة أمانة، وتصبح الكتابة امتداداً للخدمة العامة، ولكن بصورة مختلفة.
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لم ينتظر أن يكتب الآخرون تجربته، بل اختار أن يكتب للأجيال ما تعلّمه منها.
وهذه قيمة كبيرة؛ لأن التاريخ يخبرنا ماذا حدث، أما القائد حين يكتب تجربته بنفسه فإنه يخبرنا لماذا حدث، وكيف اتُخذ القرار، وما الذي تعلّمه من النجاح والإخفاق، وما الذي يراه مهماً لمن سيحمل المسؤولية بعده، ولهذا توقفت كثيراً عند قول سموه:
«من الأمانة أن نترك شيئاً يختصر الطريق لمن سيحمل من بعدنا الأمانة». إنها ليست عبارة عن كتاب، بقدر ما هي تعريف عميق لمعنى انتقال الخبرة بين الأجيال.
فالقائد الحقيقي لا يكتفي بأن يصنع النجاح في زمنه، وإنما يفكر أيضاً فيمن سيأتي بعده.
لا يريد للأجيال الجديدة أن تبدأ من الصفر، بل يضع أمامها حصيلة الطريق: ما تعلمه، وما اختبره، وما آمن به، وما يعتقد أنه يستحق أن يستمر، وربما لهذا اختار للكتاب اسم «الرسائل».
فالرسالة أكثر قرباً من الوصية، وأكثر دفئاً من السيرة، وأكثر مباشرة من المذكرات. إنها حديث من إنسان إلى إنسان، ومن جيل إلى جيل، ومن صاحب تجربة إلى من لا يزال في بداية الطريق.
ولعل أجمل دلالات الكتاب أن أولى رسائله موجهة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ أخيه وصديقه ورفيق دربه، كما وصفه.
وفي هذا الاختيار معنى يتجاوز ترتيب صفحات كتاب، ليحمل صورة من صور الوفاء والشراكة التي قامت عليها مسيرة وطن، واستمرت بها دولة الإمارات في بناء نموذجها المتفرد.
نحن أمام كتاب سيُقرأ اليوم، ولكن قيمته الحقيقية ربما ستزداد بعد سنوات طويلة، وسيقرأه مسؤول يريد أن يفهم معنى المسؤولية، وشاب يبحث عن طريقه، وقائد يريد أن يعرف كيف تتحول الرؤية إلى إنجاز.
وباحث يريد أن يقرأ جانباً من تجربة الإمارات من داخل صناعتها، وربما يقرأه جيل لم يعاصر كثيراً من المحطات التي صنعت حاضرنا، فيجد أمامه صوتاً يقول له: هذا ما تعلمناه.. وهذا ما نضعه بين أيديكم.
فالأوطان لا تورّث أبناءها المباني والمنجزات فقط، بل تورّثهم أيضاً معنى المكتسبات الوطنية الحكمة في القرار التي صنعت تلك المنجزات.
ولهذا فإن «الرسائل» ليست مجرد صفحات جديدة يكتبها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بل جزء من ذاكرة وطن يضعها قائد بين أيدي أبنائه.