قادة ذوو رؤية بعيدة المدى

قبل فترة، أعدت قراءة السيرة الذاتية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «قصتي».

وظلت قصة واحدة عالقة في ذهني؛ ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وخلال اجتماع لكبار المسؤولين الخليجيين، طرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكان شاباً آنذاك، فكرة تحويل دبي إلى وجهة سياحية عالمية. لكن الفكرة قوبلت بالتشكيك، إذ تساءل مسؤول خليجي مخضرم:

من سيأتي إلى دبي للسياحة؟ ومن سيأتي لرؤية الصحراء؟ ومن سيتحمل حرارة الجو ورطوبته؟ لم يجادل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بل تمسك برؤيته.

وبعد أكثر من أربعين عاماً، أصبح ما كان يبدو ضرباً من الخيال واقعاً. ووراء ذلك رؤية قائد قادر على استشراف المستقبل والمضي نحوه بثبات.

إن التحديث ليس سباقاً قصيراً، بل مسيرة تمتد لعقود وقرون. ولا تعتمد قدرة الدولة التنافسية على الموارد ورأس المال والتكنولوجيا فحسب، بل على امتلاك رؤية بعيدة المدى؛ الحفاظ على الثبات الاستراتيجي، وتنفيذها حتى النهاية، ومواصلة العمل جيلاً بعد جيل.

ويجسد تطور الصين هذا التفكير الاستراتيجي. واليوم، تنتشر مركبات الطاقة الجديدة الصينية في شوارع دبي، لكن هذا الإنجاز ثمرة أكثر من عقدين من العمل المتواصل.

فمنذ أن كانت المركبات التقليدية تهيمن على السوق العالمية، بدأت الصين مبكراً في التفكير في أمن الطاقة والتنمية الخضراء والمنافسة الصناعية المستقبلية.

وفي عام 2001، أطلقت المشروع الوطني للمركبات الكهربائية ضمن «برنامج 863» وبدأت تطوير التقنيات الأساسية. ثم أدرجت مركبات الطاقة الجديدة في الخطط الخمسية المتتالية:

التركيز على التقنيات الأساسية في الخطة الخمسية الحادية عشرة، ودفع التصنيع في الخطة الخمسية الثانية عشرة، واستكمال المنظومة الصناعية وتسريع التوسع في السوق في الخطة الخمسية الثالثة عشرة، وتعزيز الذكاء والاتصال والتطوير المتقدم في الخطة الخمسية الرابعة عشرة.

واليوم، تتجه مركبات الطاقة الجديدة الصينية إلى الأسواق العالمية، وتتقدم الصين عالمياً في بطاريات الطاقة والقيادة الذكية.

وما يبدو ميزة تنافسية اليوم هو ثمرة أكثر من عقدين من الاستثمار المستمر والسياسات المتواصلة وجهود أجيال من العاملين. فالريادة الحالية ليست وليدة المصادفة، بل نتيجة رؤية بعيدة المدى ومثابرة متواصلة.

ويعكس تطور الإمارات أيضاً نهجاً طويل الأمد. فقد أطلقت استراتيجيات مثل «نحن الإمارات 2031» و«مئوية الإمارات 2071» وأجندة دبي الاقتصادية «D33» وخطة دبي الحضرية 2040 لدفع الدولة نحو مزيد من التنوع والقدرة التنافسية.

فمن السياحة والذكاء الاصطناعي إلى المدن الذكية واستكشاف الفضاء، تواصل الإمارات الجمع بين التركيز على الحاضر والتخطيط للمستقبل، وتحويل مزايا اليوم إلى قوة دافعة للغد.

وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ: المضي في تنفيذ كل مخطط حتى النهاية، ومواصلة العمل جيلاً بعد جيل. كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: المستقبل سيكون لمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه.

ورغم اختلاف العبارات، فإن الفلسفة واحدة: التحديث الناجح لا يقوم على المكاسب قصيرة الأجل، بل على الرؤية بعيدة المدى؛ ولا يسعى إلى تفوق مؤقت، بل إلى تراكم المزايا المستقبلية؛ ولا يركز على اليوم وحده، بل يهيئ ظروفاً أفضل للأجيال القادمة.

وتثبت تجارب الصين والإمارات أن المضي في تنفيذ كل مخطط حتى النهاية ليس فقط من عوامل نجاح التحديث، بل أيضاً مفتاح للاستقرار والتقدم المطرد على المدى البعيد.