عندما يُذكر اسم حرم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراه، جدّتي الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيان، رحمها الله تعالى، تحضرني ذكرى هذه المرأة العظيمة التي كلّما تردد اسمها أزهر الحديث وتفرّع إلى شؤونٍ إنسانيةٍ شتّى... أتذكّر الأمّ التي غرست في والدي روح الإنسانية وحب الناس، والسيدة التي أحبها أهل دبي واقتدت بها نساؤها.
هناك في ذاكرة دبي؛ كانت الشيخة لطيفة أمّاً وجدةً وامرأةً تجد فيها نساء دبي سنداً وملاذاً، وصاحبة فكر صائب تحرّك دفة القرار لصالح الأسرة والمرأة والمجتمع بقربها من الناس ووعيها العميق باحتياجاتهم.
قرأتُ وثيقةً مؤرخةً في 16 مايو 1981 صادرةً عن السفارة البريطانية في دولة الإمارات في أعقاب زيارة مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية إلى الدولة، تحديداً في 22 و23 أبريل في العام ذاته، عمّقت الكثير من نظرتي إلى هذه المرأة العظيمة.
في هذه الوثيقة، طلبت تاتشر معلوماتٍ وافية عن جدّتي الشيخة لطيفة بنت حمدان بعد لقاءٍ جمعهما في برج راشد، وذلك ضمن أجندة زيارة المرأة الحديدية -كما يلقبونها- للإمارات.
ورغم طابعها الرسمي، إلا أنني وجدتُ بين سطور الوثيقة بعداً آخر لشخصية الشيخة لطيفة بنت حمدان، المرأة الحانية الأصيلة، التي لطالما كان لها دور اجتماعي عميق التأثير في الحياة العامة، حافظتْ فيه على قدرٍ عالٍ من الخصوصية والابتعاد عن الأضواء.
واستطاعت من خلاله تحويل مجلسها النسائي -الذي كانت تستقبل فيه نساءً من جميع عائلات دبي وكافة شرائح المجتمع- إلى مساحةٍ للتواصل، وجسرٍ يوصل أصوات المجتمع النسائي واحتياجات الأُسر في دبي إلى الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، صانع القرار الأول في الإمارة آنذاك.
ومن خلال قربها من الناس ومعرفتها الدقيقة بشؤونهم، كانت تضع باستمرار التوصيات اللازمة لتلبية احتياجاتهم وتحسين جودة معيشتهم.
وتكشف الوثيقة أنها عبر نهجها الفريد من نوعه؛ أولت الشيخة لطيفة بنت حمدان اهتماماً نوعياً برعاية أصحاب الهمم، وتمكين المرأة من خلال التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب تركيزها المستمر على الفئات الأكثر احتياجاً.
كما توثّق زياراتها المتكررة لأُسر المواطنين في منازلهم للتعرف على أحوالهم وظروفهم، وقد أسهمت توصياتها في هذا الشأن في تطوير برامج للإسكان في الإمارة.
كذلك، تشير الوثيقة إلى أن نطاق عطائها تجاوز حدود الدولة ليصل إلى دولٍ عديدة مثل نيبال ومصر وباكستان، إلى جانب إسهامها في دعم تطوير مستشفى غريت أورموند ستريت في بريطانيا.
اليوم، حين أربط بين الشخصيتين، الشخصية التي زيّنت ذكراها أحاديثنا العائلية وذكريات والدي، والأخرى التي عرفها الناس في الحياة العامة، أزداد يقيناً بأهمية المحيط الذي يصنع الإنسان.
فقد نشأت جدتي لطيفة حفيدةً للشيخ زايد بن خليفة آل نهيان (زايد الأول)، وزوجةً للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ثم أصبحت أُماً لحُكام دبي الذين عُرفوا بحبهم وقربهم من الناس، وارتباطهم الوثيق بشعبهم.
ولعل ما تشير إليه الوثيقة من عمق علاقتها بابنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وما جمعهما من اهتمام بشؤون المجتمع، دلالة على أن أثر الأم قد يمتد عبر أبنائها إلى تحقيق الرفاه لشعبٍ بأكمله.
وعبر هذا النهج الاستثنائي، أصبحت هي كذلك عنصراً فاعلاً وقائداً ميدانياً يبحث عن كل السبل الممكنة لخدمة الناس.
هذه الوثيقة لم تكتب للتكريم ولم تكن مُعدةً للنشر، بل كانت مراسلةً سرّيةً هدفها تعريف الحكومة البريطانية بامرأةٍ تمتلك حضوراً تاريخياً بالغ الأهمية وعميق الأثر في الأرض والروابط والبشر، وهذا ما يجعل هذه الوثيقة أعمق في الدلالة وأكثر صدقاً.
تعلّمت من جدتي الشيخة لطيفة أنّ جمال الأثر لا يُقاس بالحضور الإعلامي، ورقّة المرأة لا تنتقص من قوّتها، وأنّ العطاء هو أصدق لغات الحب وأجملها على الإطلاق، وجدتي أحبت دبي وأحبت أهلها، ومن هذا الحب نسجت نهجاً هادئاً رصيناً يقوم على خدمة هذا المجتمع الذي شكّل أسرتها الكبيرة.
وتعلمت منها أيضاً أنّ بإمكان كلّ امرأة أن تصنع أثراً استثنائياً في مجتمعها دون التخلي عن خصوصيتها، وأنّ هذا الأثر يزداد عمقاً حين يجتهد الإنسان في سعيه ويُخلِص في حبه لوطنه.
في ذاكرة العالم، ستبقى الشيخة لطيفة امرأةً فريدةً من نوعها تركت أثراً خالداً يمتد عبر الأجيال، وفي ذاكرتي، ستبقى جدتي عالماً من الحب والعطاء والتأثير.