ما بعد «أوبك».. الإمارات تعيد رسم قواعد النفط

مع بدء سريان قرار الإمارات بالخروج من «أوبك» في مايو الماضي، بعد عضوية امتدت منذ 1967، تصاعد جدل واسع حول توقيت القرار ودلالاته، وبعد ثلاثة أشهر بدأت الأرقام تقدم إجابتها:

«أدنوك» باعت أربعة وتسعين مليون برميل عبر سبع مناقصات فورية منذ يونيو ثم طرحت مناقصة ثامنة في أغسطس، والإنتاج بلغ 4.1 ملايين برميل يومياً وهو الأعلى تاريخياً، وحصة الإمارات من شحنات نفط الشرق الأوسط المتجهة إلى آسيا قفزت من نحو عشرين بالمئة خلال العام الماضي إلى اثنين وثلاثين بالمئة في يونيو.

«رويترز» وصفت ما يجري بأنه قد يكون التحول الأعمق في تسويق نفط الخليج منذ عقود، والتوصيف دقيق لأن ما تغيّر يتجاوز حجم الضخ إلى الطريقة التي يُباع بها النفط ويُسعّر ويُشحن.

داخل «أوبك» كان الإنتاج محكوماً بسقف الحصة، فيما اعتمدت عمليات البيع بدرجة كبيرة على تخصيصات شهرية لمشترين معروفين وأسعار رسمية تُعلن مسبقاً، وهي منظومة صُممت لخدمة استقرار السوق وإدارة المعروض. بعد الخروج اتسعت مساحة الحركة أمام «أدنوك»:

مناقصات فورية في السوق المفتوحة، مشترون جدد من مصاف صينية وهندية وكورية، شروط تعاقدية أكثر مرونة، وعلاوات سعرية أظهرت قوة الطلب على الخام الإماراتي.

وبالتالي أصبحت الحصة التي كانت تُدار من داخل منظمة تُكتسب في سوق مفتوحة، وتحرّك منتجون آخرون في المنطقة نحو المناقصات الفورية نفسها، في إشارة إلى أن أسلوب «أدنوك» الجديد بدأ يؤثر في قواعد التسويق الإقليمي.

حين اندلعت الحرب وأغلقت إيران مضيق هرمز، كانت الإمارات تملك جزءاً أساسياً من الإجابة عن هذا السيناريو: أنبوب حبشان–الفجيرة الذي دُشّن عام 2012 بتكلفة 4.2 مليارات دولار وبطول 370 كيلومتراً وبسعة 1.8 مليون برميل يومياً.

ومنشآت تصدير على ساحل خليج عمان خارج المضيق. البنية التي بُنيت قبل أكثر من عقد أثبتت قيمتها خلال الأزمة حين ارتفعت شحنات الفجيرة إلى نحو 1.9 مليون برميل يومياً، ووجهت «أدنوك» لتسريع بناء خط موازٍ يرفع القدرة الإجمالية إلى 3.6 ملايين برميل يومياً بحلول 2027.

وفوق هذه البنية ابتكرت الشركة منظومة نقل مكوكية تعبر بالخام في رحلات قصيرة إلى ناقلات أكبر في خليج عمان، واشترت إحدى عشرة سفينة بقيمة 1.3 مليار دولار بينها ست ناقلات عملاقة، حتى أنها عرضت نقل النفط العراقي عبر المنظومة ذاتها، وبهذا تحولت تدريجياً من بائع للخام إلى منصة لوجستية إقليمية قادرة على خدمة نفط الآخرين أيضاً.

التحول امتد إلى التسعير، «أدنوك» أعلنت أنها ستنتقل اعتباراً من نوفمبر من آلية تسعير مربان الآجلة التي أطلقتها عام 2021 على بورصة آيس أبوظبي إلى مؤشر بلاتس دبي، المرجع واسع الاستخدام في تجارة النفط المتجهة إلى آسيا.

القرار جاء بعد أشهر أحدثت فيها الحرب تفاوتاً كبيراً بين أسعار العقود وظروف الشحن الفعلية، وأصبح الاقتراب من حركة السوق اليومية أكثر أهمية للمنتج والمشتري معاً.

تغيير المرجع السعري ينسجم مع المنظومة الجديدة بأكملها: إنتاج أعلى، مبيعات فورية أوسع، قاعدة مشترين أكبر، ومسارات شحن أكثر تنوعاً، ومن يتحكم بدرجة أكبر في آلية تسعيره يوسّع قدرته على المنافسة على كل برميل.

هذه التحولات الجيواقتصادية أملتها تحولات جيوسياسية أعمق. إيران حوّلت مضيق هرمز إلى أداة ضغط في مواجهتها مع واشنطن والأسواق، وفي الوقت ذاته أدى الحصار البحري الأمريكي على موانئها إلى تراجع حاد في قدرتها على تصدير النفط.

فأصبح الممر الذي تستخدمه طهران كورقة قوة مصدراً لضغط اقتصادي عليها أيضاً. في المقابل، كشفت الأزمة قيمة الخيارات التي راكمتها الإمارات على امتداد سلسلة الطاقة، من الإنتاج إلى التسعير والوصول إلى الأسواق.

خمس عشرة سفينة تابعة لـ«أدنوك» تعرضت لهجمات في المضيق منذ بداية الحرب، واستمرت المناقصات والشحنات، وكل هجوم يرفع كلفة العبور عبر هرمز ويرفع معها القيمة الاستراتيجية للقدرة على تجاوز اختناقه.

في ثمانينيات القرن الماضي تحولت تجارة النفط تدريجياً من الأسعار المعلنة إلى الأسواق الفورية، فتغيّرت العلاقة بين المنتج والمشتري والسعر. اليوم تعيد الإمارات صياغة موقعها داخل هذه العلاقة: إنتاج أكبر، وتسعير أكثر ارتباطاً بالسوق، وقاعدة مشترين أوسع، وأسطول ومسارات تمنحها قدرة أكبر على الوصول إليهم، الحرب سرّعت هذا التحول، والخروج من «أوبك» أطلقه.

طوال عقود كانت قوة المنتج تُقاس بحصته داخل المنظمة، وفي السوق التي تتشكل اليوم تُقاس بقدرته على تحويل كل برميل ينتجه إلى برميل يجد مشتريه وطريقه وسعره، والإمارات انتقلت من إدارة حصة الإنتاج إلى المنافسة على حصة السوق.