الأزمات المزمنة ومستقبل النساء

لم تُعد الأزمات الإنسانية في عالم اليوم طوارئ عابرة تُطوى بانقضاء أسابيع أو أشهر، فقد غدا كثير منها واقعاً ممتداً من الاضطراب، ويؤثر في قدرة الأفراد والمجتمعات على التعافي على المدى الطويل. وفي قلب هذا الواقع تتحمّل النساء والفتيات العبء الأثقل، وغالباً ما يكنّ من بين الأكثر تضرراً من فقدان الأمان والفرص.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 680 مليون امرأة وفتاة يعشن على بعد لا يتجاوز 50 كيلومتراً من مناطق تشهد نزاعات دامية، وهو رقم لا يكشف اتساع دائرة الخطر فحسب، بل ينذر أيضاً بمستقبل ملايين النساء والفتيات المهدد بالتبدد.

تنقطع فتاة عن الدراسة لأن أسرتها باتت في حاجة إلى عملها، وتواجه أخرى ضغوطاً متزايدة تدفعها نحو الزواج المبكر مع تدهور الأوضاع المعيشية، فيما تكافح أم حامل للحصول على الرعاية الصحية الأساسية بعدما أجبرها النزوح على مغادرة منزلها، وقد تبدو هذه الانتكاسات، في بدايتها، مؤقتة، غير أن استمرار الأزمات قادر على تحويل الاضطراب العابر إلى واقع دائم، والخسائر الآنية إلى آثار تمتد مدى الحياة..

فالفتاة التي تنقطع عن الدراسة قد لا تجد سبيلاً إلى العودة إليها فتتقلص فرصها في بناء مستقبل آمن وتحقيق استقلالها الاقتصادي.. والشابة التي تُدفع إلى الزواج في سن مبكرة قد تُحرم من استكمال تعليمها أو تأسيس مسار مهني يضمن لها حياة أكثر استقراراً.. أما الأم التي تفتقر إلى الرعاية الصحية المنتظمة، فتواجه مخاطر مضاعفة خلال الحمل والولادة، بما يهدد صحتها وسلامة طفلها.

ويمكن لأي من هذه التداعيات منفردة أن تغيّر مسار حياة بأكملها، أما حين تتراكم فإنها تُنهك المجتمعات، وتحد من النمو الاقتصادي، وتهدد بتقويض سنوات من التقدم الاجتماعي، وما يزيد التصدي لها تعقيداً أنها غالباً ما تتسلل بصمت، بعيداً عن الأنظار.

في كثير من الأحيان لا تتخذ الأسر قراراً واحداً حاسماً ومفاجئاً، بل تنزلق تدريجياً تحت وطأة الضغوط المتراكمة.. تتحوّل نفقات التعليم إلى عبء لا يُحتمل، وتصبح وسائل النقل أقل انتظاماً، ويغدو الطريق إلى المدرسة محفوفاً بالمخاطر، فيما تتبدل الأولويات والتوقعات مع امتداد حالة عدم الاستقرار شهراً بعد آخر، وبمرور الوقت تتلاشى فرص كانت تبدو يوماً ممكنة وقابلة للتحقق، ولهذا تتجه مؤسسات العمل الخيري بصورة متزايدة، إلى الجمع بين الاستجابة الطارئة والدعم طويل الأمد.

ولا غنى بطبيعة الحال عن الإغاثة الإنسانية، فالأسر تحتاج إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والحماية، غير أن الاستجابة للاحتياجات العاجلة لا تمثل سوى جانب واحد من التحديات التي تفرضها أزمات اليوم الممتدة.

فالمطلوب أيضاً تمكين الناس من الصمود طوال سنوات الأزمة، والحفاظ على قدرتهم على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية، بما يحول دون تحوّل آثار الطوارئ إلى حرمان دائم.

وفي مختلف أنحاء منطقة الخليج، تتجه مؤسسات العمل الخيري بصورة متزايدة إلى تجاوز حدود الاستجابة الطارئة، عبر التصدي للتحديات الممتدة التي تخلفها الأزمات، فاستمرار الفتيات في التعليم يفتح أمامهن آفاقاً أوسع، ويعزز مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، ويحسن فرصهن في التمتع بحياة أكثر صحة واستقراراً، كما يزيد قدرة الأسر على مواجهة التقلبات وحالات عدم اليقين، ومن هذا المنطلق يُعد الاستثمار في النساء والفتيات من أكثر السبل فاعلية في حماية مكتسبات التنمية وصونها خلال فترات الاضطراب.

وفي لبنان، تواصل المنظمات المعنية بحماية الفتيات الأكثر عرضة للمخاطر رصد التداعيات المباشرة للضائقة الاقتصادية، لا سيما ارتفاع احتمالات الانقطاع عن التعليم والزواج المبكر، ولا تنفصل هذه الظاهرة عن سياق عالمي أوسع، إذ تشير بيانات أصدرتها منظمة «فتيات لا عرائس» عام 2024 إلى أن أكثر من ثلث الفتيات في الدول الهشة يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة.

وغالباً ما تتشابك العوامل المؤدية إلى ذلك، فالنزاعات والأزمات تعمّق الفقر، وتعطل مسارات التعليم، وتفاقم المخاوف المتعلقة بسلامة الفتيات. وتحت وطأة هذه الضغوط، قد تلجأ بعض الأسر إلى قرارات تبدو في المدى القريب، وسيلة للحماية أو لتخفيف الأعباء المعيشية، غير أن ما يبدأ بوصفه تدبيراً مؤقتاً في مواجهة الضائقة المالية وانعدام الأمان، قد ينتهي إلى تقييد خيارات الفتاة وتقليص فرصها التعليمية والاقتصادية لسنوات طويلة.

ومن هنا تتجلى أهمية إشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، فمن خلال الشراكة بين مؤسسة «ميم» ومشروع «سوا» التابع لمنظمة «أنيرا»، تحظى الفتيات المعرّضات لخطر الانقطاع عن التعليم والزواج المبكر بالدعم الذي يمكنهن من مواصلة التعلم والحفاظ على آفاقهن المستقبلية، رغم الضغوط التي تواجهها أسرهن، وتؤدي جهود المشروع مع العائلات دوراً محورياً في تعزيز الوعي بالمخاطر التي تهدد سلامة الفتيات، وبالتداعيات الصحية والإنجابية والاجتماعية المترتبة على تزويجهن في سن مبكرة.

ونواجه تحديات مماثلة في مجال صحة الأم ورعايتها، فمن خلال شراكة مؤسسة «ميم» مع منظمة «Every Pregnancy» تحظى الأمهات النازحات واللاجئات في غزة ولبنان بالدعم اللازم لضمان استمرارية رعاية الأمومة في ظل النزاع والنزوح.

وتبرز هذه الشراكة أيضاً ما يمكن أن يتيحه الابتكار من حلول فاعلة في البيئات الهشة، إذ تساعد أجهزة التصوير بالموجات فوق الصوتية المحمولة والمعززة بالذكاء الاصطناعي الكوادر الصحية على الكشف المبكر عن حالات الحمل عالية الخطورة.

والارتقاء بجودة الرعاية المقدمة للأمهات النازحات.. فالحمل لا ينتظر انتهاء الأزمات، بينما يصبح الوصول إلى رعاية صحية منتظمة أكثر صعوبة في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليها.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود امرأة حامل بين كل مئة نازح في لبنان. ولا تقف التداعيات عند حدود تفويت فحص أو موعد طبي، إذ تمثل استمرارية الرعاية عاملاً حاسماً في الحد من المضاعفات وتحسين النتائج الصحية للأمهات والمواليد، كما تمكن النساء من اجتياز فترة الحمل بقدر أكبر من الأمان والكرامة.

وغالباً ما تتراكم تداعيات عدم الاستقرار المطول بمرور الوقت، فتتحول الأشهر الدراسية الضائعة إلى سنوات من الانقطاع، وتفوت مواعيد الرعاية الصحية من دون تعويض، فيما تعيد القرارات الاضطرارية، تدريجياً، رسم حدود ما تراه الأسر ممكناً لأبنائها في المستقبل.

ولهذا لا ينبغي التعامل مع التعافي بوصفه مرحلة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء النزاع، ففي كثير من الحالات، يتعين أن تبدأ مساراته منذ اللحظة الأولى للأزمة، عبر حماية التعليم والرعاية الصحية وسبل العيش من الانهيار.

كان اختياري مؤخراً ضمن قائمة TIME100 للعمل الخيري تكريماً أعتز به، غير أنه حمل في الوقت نفسه دلالة أعمق، إذ أعاد تأكيد حقيقة تتجلى بوضوح متزايد من خلال العمل في مختلف أنحاء المنطقة، وهي أن بعضاً من أكثر أشكال التقدم أثراً واستدامة يتحقق بعيداً عن الأضواء، بفضل الالتزام طويل الأمد بدعم المجتمعات التي تواجه تحديات معقدة وممتدة.

ويعكس مشهد العمل الخيري في دولة الإمارات هذا التحول الأوسع بوضوح، فمشروع فاطمة بنت محمد بن زايد تقدم نموذجاً متكاملاً يجمع بين توفير فرص عمل مستدامة للنساء، وتوسيع نطاق الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية في أفغانستان. وفي السياق ذاته، يوظف مركز الغرير للتعليم والتعلم الرقمي، التابع لمؤسسة عبد الله الغرير، الحلول الرقمية لتوسيع فرص التعليم، وتعزيز قدرة المؤسسات التعليمية على التكيف والاستمرار في أوقات الاضطراب.

وتكشف هذه النماذج مجتمعة عن الدور المتنامي الذي يمكن أن يضطلع به العمل الخيري في البيئات المتأثرة بالأزمات، فهو لا يكتفي بتخفيف المعاناة الآنية، بل يسهم أيضاً في حماية المنظومات والمهارات والفرص التي يحتاج إليها الأفراد والمجتمعات للصمود، واستعادة قدرتهم على بناء حياتهم من جديد.

وحين تطول الأزمات، لا يعود التحدي مقتصراً على إبقاء الناس على قيد الحياة، بل يمتد إلى حماية مقومات مستقبلهم: إبقاء الفتيات في مقاعد الدراسة، وضمان استمرار حصول الأمهات على الرعاية الصحية، وتمكين النساء من بناء حياة مستقلة وآمنة رغم الاضطراب وعدم اليقين. وعندما تنحسر الأزمات، ينبغي ألا يتوقف الطموح عند حدود النجاة، بل أن يمتد إلى تمكين الأفراد والمجتمعات من التعافي والازدهار.

ومن منظور العمل الخيري، لا يُعد دعم النساء والفتيات مساراً منفصلاً عن الاستجابة للأزمات، بل يمثل ركيزة أساسية فيها، وأحد أكثر السُبل فاعلية للحيلولة دون تحوّل المحن العابرة إلى انتكاسات ممتدة. فالفرص التي تُهدر لسنوات يصعب استعادتها، وتصبح كلفة إعادة بنائها أكبر بكثير من كلفة حمايتها منذ البداية.

سيدة أعمال إماراتية رائدة في مجال العمل الإنساني