مهددات الأبناء في المنصات الرقمية

لقد أصبحت المنصات الرقمية فضاءً واسعاً يسحب الأبناء لساعات طويلة من يومهم، يتنقلون بين تطبيقاتها ومحتوياتها، ويتفاعلون مع عوالمها المفتوحة التي تمتد أمامهم بغير حدود ولا سدود، وفي خضم هذا الحضور الرقمي الكثيف تتسلل إلى عقول الناشئة وقلوبهم مهددات خطيرة، تتخفى وراء صور جذابة وقوالب مشوقة.

وتستهدف فكرهم وقيمهم وسلوكهم وهويتهم، وهو ما يستدعي من الأسرة والمجتمع والمؤسسات الوطنية يقظة واعية، لحماية الأبناء من هذه الأعاصير العابرة، وتحصينهم بالوعي والقيم، ليبحروا في هذا الفضاء بأمان واطمئنان، وينهلوا من خيراته، ويسلموا من آفاته.

ومن أخطر هذه المهددات ما يتعلق بالخطاب الديني المضلل، فالمنصات الرقمية تعج بحسابات مجهولة تتصدر بعضها للفتوى بغير علم، وتنشر مفاهيم مغلوطة تلبس ثوب الدين، وقد تزرع في نفوس الناشئة بذور الغلو والتشدد، أو تجرهم إلى التساهل والتحلل، وكلا الطرفين انحراف عن جادة الوسطية التي هي جوهر ديننا الحنيف.

ومن الحلول الناجعة لهذا المهدد غرس ثقافة التثبت في نفوس الأبناء، وتوجيههم منذ الصغر إلى الاعتماد على الجهات الدينية الرسمية الموثوقة، ومنها الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، ومجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.

كما يأتي في مقدمة المهددات ما تروج له بعض المنصات من سلوكيات شاذة ومظاهر منحرفة، وتزداد خطورة هذا المهدد حين يتكرر أمام أعين الأبناء بصورة يومية، فيتحول الشاذ في أذهانهم إلى مألوف، والمنكر إلى معروف.

وإن مواجهة هذا الخطر تبدأ من البيت، عبر التربية الإيمانية والأخلاقية المتينة التي تبني في الأبناء الضمير الحي واليقظة الواعية، وعبر الحوار الأسري الصريح الذي يجيب عن تساؤلاتهم، ويكشف لهم زيف هذه الدعوات، ويعزز فيهم الاعتزاز بفطرتهم وقيمهم، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة الأبوية التقنية، والإبلاغ عن المحتويات المخالفة عبر القنوات الرسمية المخصصة لذلك في الدولة.

ومن المهددات كذلك الثقافات الوافدة المخالفة لقيمنا وعاداتنا الأصيلة، فالأبناء يتلقون يومياً سيلاً من المحتويات التي تحمل أنماطاً حياتية وفكرية غريبة عن مجتمعنا، تعظم الفردانية المفرطة، وتهون من قيمة الأسرة وصلة الرحم وبر الوالدين.

وتقدم نماذج يقتدي بهم الناشئة في مظهرهم وسلوكهم ولغتهم، حتى ينشأ الطفل غريباً عن هويته، منبهراً بكل وافد، زاهداً في كل أصيل، وإن الحل هنا يقوم على تعزيز الهوية الوطنية في نفوس الأبناء، عبر إحياء اللغة العربية في حياتهم اليومية، وربطهم بوطنهم وعاداته، وإشراكهم في المناسبات الوطنية والفعاليات الثقافية، وتقديم القدوات الوطنية المشرفة أمامهم.

ومن المهددات كذلك الاستقطاب الفكري والتجنيد الإلكتروني، حيث تنشط جماعات الضلال والتطرف في اصطياد الشباب عبر خطابات خادعة، توظف قضايا الأمة توظيفاً خبيثاً لتحقيق أجنداتها الحزبية الضيقة، وإن التصدي لهذا المهدد يتطلب بناء التفكير النقدي لدى الأبناء، وتعريفهم بتاريخ هذه الجماعات وما جرته على المجتمعات من ويلات، مع ترسيخ الثقة بالمؤسسات الوطنية التي جعلت من الاعتدال والتسامح نهجاً راسخاً ومنهجاً ثابتاً.

كما يضاف إلى ما سبق مهدد الابتزاز الإلكتروني وانتهاك الخصوصية، فكم من ناشئ شارك معلوماته وصوره مع مجهولين ظنهم أصدقاء، فوقع فريسة للمبتزين الذين يساومونه ويهددونه، وإن الوقاية من هذا الخطر تكون بتوعية الأبناء بأسس الأمان الرقمي، وتحذيرهم من مشاركة بياناتهم وصورهم مع أي جهة كانت، وفتح قنوات الثقة والاحتواء داخل الأسرة، ليجد الابن في والديه الملاذ الآمن، مع التعريف بالجهات الرسمية التي وفرتها الدولة للتعامل مع هذه الجرائم.

ولقد أدركت دولة الإمارات بقيادتها الحكيمة مبكراً حجم هذه التحديات، فأرست منظومة تشريعية متكاملة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وأطلقت المبادرات النوعية في الثقافة الرقمية والتربية الأخلاقية، وأدمجت في مناهجها التعليمية ما يعزز المواطنة الرقمية الإيجابية، لتصنع بذلك سياجاً حصيناً يحمي الناشئة، ودرعاً متيناً يصون الأجيال.

إن حماية أبنائنا في المنصات الرقمية مسؤولية وطنية جامعة، تتكامل فيها أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية، وتتضافر فيها الجهود لبناء جيل يمتلك الوعي والمهارة، ويتسلح بالقيم والهوية، فيبحر في العالم الرقمي مستفيداً من علومه وفرصه، محصناً من مهدداته وفتنه، وإن الاستثمار في وعي الأبناء هو أعظم استثمار، وثمرته أجيال واعية بانية، تحمل راية الوطن، وتصون مكتسباته، وتواصل مسيرته المزهرة نحو الريادة والصدارة.