زفاف في زمن الهواتف

في السنوات الأخيرة، وأثناء حضوري لبعض حفلات الزفاف، أدركت أن أكثر ما بقي في ذاكرتي... لم يكن الزفاف نفسه.

ولم يكن فستان العروس، ولا جمال الكوشة، ولا فرحة أهلها.

ما بقي في ذاكرتي هو شعور لم أتوقع يوماً أن يرافقني في مناسبة خُلقت للفرح والطمأنينة؛ شعور بأنني أراقب الهواتف أكثر مما أعيش اللحظة. في كل مرة ترتفع فيها يد لالتقاط صورة «سيلفي»، كنت أتساءل:

هل أصبحتُ الآن في خلفية صورة لا أعرف أين ستُنشر؟

في تلك اللحظة أدركت أن أكبر ما فقدناه في بعض أعراسنا ليس الخصوصية وحدها... بل ذلك الشعور الجميل بالأمان، حين كان كل من في القاعة يثق أن ما يدور فيها سيبقى فيها.

ومن هنا بدأت أتساءل: متى فقدت الأعراس حرمتها؟ ومتى أصبحنا ندخلها ونحن نخشى أن تسبق صورنا خروجنا منها؟

لقد كانت حفلات الزفاف، في ثقافتنا الإماراتية والخليجية والعربية، من أكثر المناسبات التي تُحاط بالاحترام. كان الجميع يدرك معنى «حرمة العرس» فما يحدث داخل القاعة يبقى داخلها، وما تراه العين يبقى أمانة، لأن الخصوصية لم تكن مجرد قاعدة... بل كانت قيمة تربينا عليها.

أما اليوم، فقد أصبح الهاتف ضيفاً دائماً في كل زاوية.

لا يكاد يبدأ الحفل حتى ترتفع عشرات الهواتف، وتبدأ الصور، ومقاطع الفيديو، والبث غير المعلن، وكأن الهدف لم يعد مشاركة الفرحة، بل توثيق كل لحظة، ونشرها، وتحويلها إلى مادة قابلة للتداول. وما يؤلم أكثر أن البعض يعتقد أنه لم يخطئ لأنه لم يصور وجوه النساء، فيكتفي بتصوير الأقدام أثناء الرقص.

الخصوصية ليست وجهاً فقط.

الخصوصية هي حق الإنسان في ألّا يتحول إلى محتوى دون إذنه.

هي حركته، وضحكته، ورقصته، ولحظته الإنسانية التي لم يختر أن يشاهدها آلاف الغرباء. بل إن صورة «سيلفي» عفوية قد تُدخل في إطارها نساءً اخترن الستر منهجاً، أو أخريات اخترن أن يكنّ على سجيتهن لأنهن وثقن أن المكان آمن، فإذا بتلك الثقة تضيع بضغطة زر.

وهنا لا أتحدث عن النية، فأغلب الناس لا يقصدون الإساءة، لكن غياب القصد لا يلغي الأثر.

ولعل أخطر ما في الأمر أننا بدأنا نعيش اللحظة بعدسة الهاتف، لا بعيوننا. أصبح البعض ينشغل بتوثيق الفرح أكثر من معايشته، وكأن قيمة الذكرى أصبحت فيما نشاركه مع الآخرين، لا فيما نشعر به ونحن نعيشها. وفي خضم هذا الانشغال، قد ننسى أن أجمل اللحظات هي تلك التي لا تحتاج إلى إثبات، لأنها تبقى محفورة في القلب، لا في ألبوم الصور.

ولعل الأمر لم يعد يقتصر على فقدان الخصوصية، بل امتد إلى تغير مفهوم الاحتفال نفسه.

أصبحت بعض الأعراس تُخطط وكأنها حملة إعلامية متكاملة. تُوجَّه الدعوات لبعض المشاهير وصناع المحتوى، ليس لأنهم جزء من قصة العروسين، بل لأن وجودهم يضمن انتشار المناسبة، ويزيد من عدد المشاهدات.

وأتساءل أحياناً...

من هو الضيف الحقيقي؟

الشخص الذي حضر ليبارك للعروسين؟

أم الجمهور الذي سيشاهد المناسبة بعد ساعات من خلف شاشة هاتف؟

ليس كل حضور لمؤثر أو مشهور أمراً خاطئاً، لكن حين يصبح الهدف من الدعوة هو صناعة الضجة أكثر من مشاركة الفرح، فإننا نكون قد غيّرنا هوية المناسبة نفسها. فالعرس ليس مؤتمراً صحفياً، ولا حملة تسويقية، ولا منصة لإنتاج المحتوى.

إنه بداية حياة.

ثم يأتي جانب آخر لا يقل إيلاماً.

لقد أصبحنا، دون أن نشعر، نستعرض ما نملك أكثر مما نحتفي بمن نحب. الكاميرا تتوقف عند الألماس، والحقائب، والساعات، والهدايا، أكثر مما تتوقف عند دمعة أم، أو ابتسامة أب، أو نظرة عروسين يبدآن رحلة العمر.

وكأن الرسالة التي نرسلها أصبحت تقول: انظروا كم أنفقنا... بدلاً من أن تقول: انظروا كم نحن ممتنون لهذه اللحظة.

الثروة ليست عيباً، والنعمة تستحق الحمد، لكن الفرق كبير بين أن تعيش النعمة... وأن تجعلها محور المناسبة.

فالناس لا يتذكرون بعد سنوات قيمة العقد الذي ارتدته العروس، ولا اسم الدار التي صممت الفستان.

لكنهم يتذكرون البساطة، والكرم، ودفء الاستقبال، والاحترام، والفرح الحقيقي الذي شعروا به.

لأن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يلبس، ولا فيما يقتني، بل فيما يتركه في قلوب الآخرين.

ربما لا نحتاج إلى قوانين جديدة بقدر ما نحتاج إلى وعي جديد.

وعي يجعل من الطبيعي أن يضع أصحاب الأعراس سياسة واضحة للتصوير، وأن يحترمها الجميع.

وعي يعيد للهواتف مكانها الطبيعي، فلا تصبح محور الحفل.

وعي يذكرنا بأن الضيف مدعو ليشارك الفرح، لا ليغطيه إعلامياً.

وأن المؤثر، إن حضر، يأتي ليبارك، لا ليحوّل المناسبة إلى محتوى.

وأن احترام خصوصية الآخرين ليس خياراً شخصياً... بل مسؤولية أخلاقية.

وقبل أن نغادر أي عرس، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً:

ماذا نريد أن يبقى من هذه الليلة؟

هل نريد أن يتذكر الناس بداية قصة حب، وفرحة عائلة، ودعوات صادقة، وضحكات خرجت من القلب؟

أم نريد أن يتذكروا حجم الألماس، وعدد المشاهير، وأكثر المقاطع انتشاراً؟

أخشى أن نكون قد بدأنا، دون أن نشعر، نستبدل قيمة الستر بقيمة الانتشار، وقيمة الإنسان بقيمة الصورة، وقيمة البساطة بثقافة الاستعراض.

فالزواج ليس عرضاً...

والفرح ليس محتوى...

وحرمة العرس ليست تقليداً قديماً، بل قيمة حضارية وأخلاقية، تحفظ كرامة الناس قبل أن تحفظ خصوصيتهم.

والمجتمعات لا تُقاس بما تعرضه للعالم... بل بما تحرص على صونه بعيداً عن عدسات العالم.

فالفرح الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور... يحتاج فقط إلى قلوب حاضرة.

ولعل أجمل ما نهديه للعروسين في ليلة زفافهما ليس تغطية العرس، ولا عدد المشاهدات، ولا الصور التي ستجوب العالم... بل أن نمنحهما، ومن حضر معهما، شعوراً أصبح نادراً في زمن الهواتف...

أن يفرح الجميع... وهم مطمئنون.

فما قيمة الفرح، إن فقدنا شعور الأمان؟