لم يكن مونديال 2026 مجرد نسخة جديدة من كأس العالم، بل كان نقطة تحول حقيقية في تاريخ البطولة، بزيادة عدد المنتخبات والمباريات والجماهير، وارتفاع الأرباح المالية لكل المشاركين، وتطوير المنظومة التحكيمية بالعديد من القرارات المهمة.
ومنحت هذه النسخة مع زيادة عدد المشاركين، منتخبات لم تكن تحلم بالمشاركة فرصة لتكتب تاريخها مثل الرأس الأخضر، كوراساو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وخلقت مشاركة تلك المنتخبات قصصاً إنسانية رائعة، أكدت أن توسيع كأس العالم يمكن أن يفتح أبواب الحلم أمام دول كانت تقف دائماً خارج المشهد.
ولكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن مرحلة المجموعات مع زيادة عدد المنتخبات المشاركة، أفقدت شيئاً من بريق البطولة بسبب كثرة المباريات وضمان تأهل عدد كبير من المنتخبات.
وشهدت البطولة أيضاً أفكاراً جديدة ستبقى محل نقاش لسنوات، مثل استراحات شرب المياه الإلزامية، والتعديلات التحكيمية التي قادها بييرلويجي كولينا رئيس لجنة الحكام بالاتحاد الدولي للكرة (فيفا).
والتي نجحت في زيادة وقت اللعب الفعلي وتقليل إهدار الوقت، وهي خطوة تستحق الاستمرار. كما بدت تقنية الفيديو أكثر كفاءة بفضل سرعة اتخاذ القرارات، وهو ما خفف من حالة الغضب التي اعتدنا رؤيتها في البطولات الكبرى، ولكن تلك القرارات تحتاج إلى المزيد من التجارب في دوريات وطنية قوية، وبطولات قارية ودولية مهمة.
ووسط هذا النجاح، لا يمكن تجاهل الجوانب التي ألقت بظلالها على البطولة، وأبرزها التدخلات السياسية، والجدل حول نظام القرعة والتصنيف، وارتفاع أسعار التذاكر، وتحول بعض القرارات التنظيمية إلى فرص تجارية، كلها أمور أثارت تساؤلات حول التوازن بين مصالح اللعبة ومصالح القائمين عليها.
ورغم ذلك، فإن الأرقام تتحدث بوضوح حول حضور جماهيري قياسي، ومتابعة عالمية غير مسبوقة، وكل ذلك يؤكد أن مونديال 2026 نجح في تحقيق هدفه الأكبر، وهو جذب أنظار العالم إلى كرة القدم مرة أخرى.
وأعتقد في النهاية، أن التاريخ سيتذكر هذه النسخة ليس لأنها كانت الأكبر فقط، بل لأنها تمثل مرحلة ستدفع «فيفا» إلى مراجعة بعض القرارات، والتمسك بأخرى أثبتت نجاحها، وهذا هو المهم في كرة القدم، فيجب أن تتغير وتتطور اللعبة باستمرار، وفي الوقت نفسه تظل قادرة على إبهار العالم.