أدخلت واشنطن الإمارات نادي الدول الأكثر موثوقية في الحصول على التكنولوجيا الأمريكية الحساسة، لتصبح الدولة العربية الوحيدة في الفئة A:5، إلى جانب دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وكندا وأستراليا.
قبل ذلك بأسابيع دخلت موانئ دبي العالمية مفاوضات حصرية لتطوير وتشغيل محطة حاويات في ميناء كوربوس كريستي بولاية تكساس، فيما تجاوزت القيمة السوقية لسوق دبي المالي حاجز تريليون درهم، ثلاثة أحداث تنتمي إلى التكنولوجيا، والموانئ، وأسواق المال، غير أن جمعها في سياق واحد يكشف أن الاقتصاد العالمي يكافئ اليوم أصلاً يستغرق بناؤه سنوات طويلة: الثقة.
أحدث تجليات هذا المسار جاءت من واشنطن، فالفئة A:5 تضع الإمارات ضمن الدائرة الأضيق لشركاء الولايات المتحدة في تصدير التقنيات الحساسة، وتفتح أمام الجهات الإماراتية المعتمدة مجالاً أوسع للحصول على رقائق الذكاء الاصطناعي، والخوادم المتقدمة، والأقمار الاصطناعية التجارية، وتقنيات الاستخدام المزدوج.
هذا القرار جاء في مرحلة تتجه فيها واشنطن إلى تشديد القيود على وصول عدد متزايد من الدول إلى هذه التقنيات، في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية مع الصين، وهو ما يمنح التصنيف بعداً استراتيجياً يتجاوز الجانب التجاري.
في تكساس تقترب موانئ دبي العالمية من العودة إلى قطاع الموانئ الأمريكي بعد عشرين عاماً من الأزمة التي أحاطت باستحواذها على حقوق تشغيل محطات في ستة موانئ أمريكية عام 2006.
آنذاك انتهت الأزمة بنقل العمليات إلى مشغل أمريكي، بينما واصلت الشركة توسيع حضورها العالمي حتى أصبحت تدير نحو 10% من حركة الحاويات في العالم عبر أكثر من ستين ميناء ومحطة.
واليوم إذا اكتمل الاتفاق، تعود إلى الولايات المتحدة من موقع مختلف، بعد أن تغير موقع الإمارات في الاقتصاد العالمي، وبعد أن أصبحت خبرتها التشغيلية جزءاً من أكبر شبكات التجارة وسلاسل الإمداد الدولية.
خلال عام 2025 جذبت الإمارات استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 177.3 مليار درهم، ليرتفع رصيدها التراكمي إلى 1.17 تريليون درهم، هذه التدفقات تعكس بيئة اقتصادية نجحت في الحفاظ على جاذبيتها عبر دورات متتالية من التحولات الإقليمية والدولية، وأسواق المال كانت أحد أبرز محركات هذه الجاذبية.
فتجاوز القيمة السوقية لسوق دبي المالي حاجز تريليون درهم يعكس عمق سوق أصبح قادراً على تمويل الشركات، وتوسيع قاعدة الملكية، وربط المدخرات بالاقتصاد الحقيقي، فخلال أربعة أعوام جمع السوق 47 مليار درهم عبر الطروحات العامة.
واستقطبت الاكتتابات طلبات تجاوزت تريليون و300 مليون درهم من مستثمرين ينتمون إلى 212 جنسية، فاتسعت قاعدة رأس المال طويل الأجل في السوق.
المستثمر وشركات البنية التحتية والحكومات، يتخذ كل منهم قراره وفق معاييره الخاصة، لكن هذه القرارات تتقاطع عند معيار واحد: قدرة الإمارات على تحويل الالتزام إلى أداء ثابت ونتائج قابلة للقياس، ومع تراكم هذا السجل، اتسعت مساحة الاعتماد على الدولة في الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا، وامتدت شراكاتها إلى قطاعات تمس الأمن الاقتصادي وتقوم على التقنيات الأكثر حساسية.
في عام 2006 دار الجدل في واشنطن حول إدارة محطات حاويات أمريكية، وبعد عشرين عاماً امتد التعاون إلى الرقائق والخوادم والبنية التحتية الرقمية، وبين المشهدين تغير موقع الإمارات داخل الاقتصاد العالمي، وفي عالم تتزايد فيه القيود على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، يزداد أثر الأصل الذي استغرق بناؤه سنوات طويلة: الثقة.