دروس وعبر من المونديال

لم يعد المونديال مجرد حدث رياضي يجمع منتخبات العالم للتنافس على الكأس الذهبية، بل تحولت هذه البطولة العالمية إلى ظاهرة إنسانية، واجتماعية، واقتصادية فريدة، وفضلاً عن الإثارة الكروية والأهداف والمهارات الفردية ومشاهدة النجوم، فالمونديال يقدم للبشرية دروساً وعِبراً تتجاوز حدود الرياضة، لتلامس تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية

أولى هذه العبر وأكثرها وضوحاً هي أهمية العمل الجماعي وروح الفريق فكم من منتخبات مدججة بأبرز نجوم العالم وأعلاهم قيمة سوقية غادرت البطولة مبكراً لأنها افتقدت للتناغم والانسجام، وبالمقابل كم من منتخبات اعتبرها الخبراء حلقة أضعف فجرت مفاجآت مدوية، ووصلت إلى أدوار متقدمة بفضل الانضباط التكتيكي، والروح القتالية، وإعلاء المصلحة الجماعية على حساب الفردية، وهذا الدرس الرياضي هو عين ما تحتاجه المؤسسات والدول، فالنجاح تصنعه المنظومات المتكاملة التي يؤمن كل فرد فيها بدوره ويؤديه بإخلاص.

الدرس الثاني الذي يرسخه المونديال هو سقوط المستحيل أمام الإرادة والتخطيط، ففي تاريخ كأس العالم لم يعد هناك مكان للصدف فالطفرات الكروية التي يحققها بعض المنتخبات الناشئة أو القادمة من قارات خارج أوروبا وأمريكا الجنوبية، هي نتاج استراتيجيات طويلة المدى، واستثمار ذكي في المواهب والبنى التحتية، وهذه رسالة واضحة لكل أمة تسعى للنهوض، مفادها أن إرادة التغيير المقترنة بالتخطيط العلمي الممنهج قادرة على سد الفجوات التاريخية مع الأكثر تقدماً، والوصول إلى المراكز الأولى ومنصات التتويج في أي مجال.

على الصعيد الإنساني والثقافي، فإن المونديال يمثل أكبر تظاهرة لحوار الثقافات والتعايش السلمي، ففي مدرجات الملاعب وشوارع المدن المضيفة، تتلاقي وتتلاقح الحضارات وتذوب الخلافات السياسية والعرقية والدينية، فيلتقي المشجعون من أقصى الشرق بالمنتمين لأقصى الغرب، يتبادلون القمصان والأهازيج، ويتعرفون على عادات بعضهم البعض في مناخ تسوده الروح الرياضية والاحترام المتبادل، وهكذا يثبت المونديال للعالم أن ما يجمع البشرية من قواسم مشتركة وقيم إنسانية هو أكبر بكثير مما يفرقها، وأن التنافس الشريف يمكن أن يكون جسراً للمحبة لا جداراً للكراهية.

ولا يمكن إغفال القيمة الاقتصادية والتنظيمية التي يبرزها المونديال، فالإدارة الناجحة للحشود، وتأمين الفعاليات، وتطوير شبكات النقل والاتصالات تمثل شهادة كفاءة للدول المستضيفة، وتظهر هذه الفعاليات كيف يمكن للاستثمار الرياضي أن يكون قاطرة للتنمية ومحركاً رئيسياً لقطاعات السياحة، والخدمات، والاستثمار العقاري، ما ينعكس إيجاباً على الناتج المحلي الإجمالي، ويخلق فرص عمل نوعية للشباب.

إن كأس العالم ليس مجرد لعبة بل هو مختبر إنساني كبير تظهر فيه أسمى قيم البذل، والتضحية، والوطنية، والقبول بالآخر، والمنتصر الحقيقي في المونديال ليس فقط من يرفع الكأس في المباراة النهائية، بل هي الشعوب والدول التي تستوعب هذه الدروس وتحولها إلى واقع ملموس في مسيرة بنائها وتطورها، لتظل الرياضة رسالة سلام، ومنصة إلهام، ومنارة أمل.