في كل بطولة كبرى، يغادر لاعبون مع خروج منتخباتهم، وتخفت الأضواء من حولهم، لكن هناك من يودع المنافسة تاركاً خلفه قصة تبقى أطول من عمر البطولة نفسها.. وهذا تماماً ما فعله الحارس المغربي ياسين بونو في كأس العالم 2026.
قد يتذكر التاريخ أن فرنسا أنهت مشوار المغرب في ربع النهائي، وأن كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي قادا «الديوك» إلى نصف النهائي، لكن الذاكرة ستحتفظ أيضاً بصورة مختلفة؛ حارس وقف في مواجهة واحدة من أقوى منظومات الهجوم في العالم، وتصدى لركلة جزاء أمام مبابي، وواصل كتابة اسمه بين أعظم حراس المرمى الذين مروا على كأس العالم.
جاء تصدي بونو لركلة الجزاء كإضافة جديدة إلى مسيرته الاستثنائية، بعدما عادل الرقم القياسي لأكثر الحراس تصدياً لركلات الجزاء في تاريخ كأس العالم منذ عام 1966، لينضم إلى قائمة لا تضم سوى عدد محدود من كبار حراس المرمى، في رقم يؤكد أن بعض الإنجازات تولد حتى في ليالي الخسارة.
ربما لم ينجح المنتخب المغربي في تكرار إنجاز نسخة 2022 والذهاب إلى أبعد من ربع النهائي، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة ما قدمه بونو خلال السنوات الأخيرة.. فمنذ ظهوره المميز في مونديال قطر، تحول الحارس المغربي إلى أحد أبرز رموز الكرة الأفريقية، ليس بفضل تصدياته فقط، وإنما بهدوئه، وثقته، وقدرته على منح زملائه شعوراً دائماً بالأمان.
في كرة القدم، كثيراً ما يختزل التاريخ البطولات في أسماء من حملوا الكأس، لكن الحقيقة أن اللعبة تحتفظ أيضاً بمكانة خاصة للاعبين لم يتوجوا باللقب، لأنهم تركوا بصمة لا تقل قيمة.. فمن يتذكر مونديال 1990، لا يتذكر ألمانيا بطلة العالم وحدها، بل يتذكر أيضاً الإيطالي سالفاتوري سكيلاتشي، هداف البطولة، رغم خروج إيطاليا من نصف النهائي.. ومن يتذكر مونديال 1994، لا يغفل صورة روبرتو باجيو، رغم النهاية المؤلمة في المباراة النهائية أمام البرازيل.
بونو واحد من هؤلاء.. فالحارس الذي ودع البطولة، خرج مرفوع الرأس، بعدما أكد مرة أخرى أن قيمة حارس المرمى لا تقاس بعدد التصديات فحسب، بل بشخصيته داخل الملعب، وقدرته على منح فريقه الثقة حتى في أصعب المباريات.
قد لا يحمل بونو كأس العالم في نهاية مسيرته، لكن ذلك لن يمنع اسمه من البقاء حاضراً كلما ذكرت أبرز قصص المونديال.. ففي كرة القدم، كما في الحياة، ليست كل البطولات تقاس بالكؤوس، وبعض الأبطال يكفيهم أنهم غادروا الملعب، وكسبوا احترام العالم، وضمنوا مكانهم في ذاكرة التاريخ.