عندما يصبح الحكم جزءاً من نتيجة المباراة

لا يخسر منتخب كرة قدم دائماً لأن منافسه كان أفضل، وأحياناً لا تكون الهزيمة نتيجة سوء إعداد، أو ضعف أداء، أو خطأ لاعب، بل نتيجة شعور قاسٍ بأن العدالة نفسها غابت عن الملعب.

ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد جدل عابر بعد مباراة كبيرة، فقد خسر المنتخب المصري بنتيجة 2-3 في مباراة شهدت قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، من بينها إلغاء هدف مصري بعد تدخل تقنية الفيديو، واحتجاجات على عدم احتساب ركلة جزاء في الدقائق الحاسمة، إضافة إلى اعتراضات واسعة على طريقة إدارة الحكم للمباراة.

وقد ذكرت تقارير دولية أن الاتحاد المصري لكرة القدم وجّه انتقادات رسمية لأداء تقنية الفيديو والتحكيم بعد المباراة.

ليست القضية هنا أن الحكم أخطأ؛ فالأخطاء جزء من كرة القدم. القضية الأخطر هي أن تأتي الأخطاء في لحظات حاسمة، وأن تميل كلها تقريباً في اتجاه واحد، وأن يشعر اللاعب والجمهور أن التقنية التي وُجدت لحماية العدالة لم تُستخدم بالصرامة نفسها مع الطرفين.

وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم: كيف يتم اختيار حكام مباريات بهذا الحجم؟ ومن يراجع أداءهم بعد المباريات؟ وهل يكفي أن تدار أخطاء التحكيم بالصمت، بينما تُحاسَب المنتخبات والمدربون واللاعبون على كل تفصيل؟

إذا كانت تقنية الفيديو موجودة، فلماذا لا تُستخدم حين تكون الحاجة إليها واضحة؟ وإذا كان الحكم يملك حق العودة إلى الشاشة، فلماذا يرفض ذلك في لقطات قد تغيّر مصير منتخب كامل؟

وإذا أُلغي هدف بسبب لقطة في البناء الهجومي، فلماذا لا تراجع بالصرامة نفسها لقطات أخرى مؤثرة داخل منطقة الجزاء؟

كرة القدم لا تحتاج إلى حكم لا يخطئ، فهذا مستحيل، لكنها تحتاج إلى منظومة لا تترك الخطأ بلا تفسير، ولا تجعل الجماهير تشعر أن العدالة تدار وفقاً لقيمة القميص أو شهرة المنتخب أو حجم النجوم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في بطولة كبرى ليس خروج منتخب من المنافسة، بل خروج الثقة من قلوب الجماهير، فعندما يشعر المشجع أن فريقه لم يُهزم داخل الملعب فقط، بل هُزم أيضاً بقرارات لا يجد لها تفسيراً مقنعاً، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون منتخباً بعينه، بل تكون كرة القدم نفسها.

لسنا نطالب بأن تعامل مصر معاملة خاصة، ولا نبحث عن أعذار لهزيمة قاسية، لكننا نطالب بشيء أبسط وأهم: أن يطبَّق القانون على الجميع بالمعيار نفسه، وأن تكون تقنية الفيديو وسيلة لإنصاف اللعبة، لا أداة تزيد الشكوك حولها.

وعلى «الفيفا» أن يدرك أن الصمت بعد مثل هذه المباريات ليس حياداً، بل قد يبدو مشاركة في الأزمة، فإذا كانت الأخطاء قد حدثت، فالواجب أن تُراجع وتُشرح. وإذا لم ترها الجهات المسؤولة، فهذه مشكلة أكبر؛ لأن من لا يرى الخلل لا يستطيع إصلاحه.

لقد خرجت مصر من البطولة، لكنها خرجت مرفوعة الرأس.

أما السؤال الذي بقي بعد صافرة النهاية، فهو ليس: لماذا خسرت مصر؟ بل: من يحمي عدالة كرة القدم عندما يصبح الحكم جزءاً من نتيجة المباراة؟