قليل من الفانتازيا لا تضر، لا سيما لو كانت فانتازيا تبحث عن حلول مشكلات مستعصية ومعضلات أعيت البشرية منذ خرجت إلى نور الحياة.
هذه الأمم الـ48 التي تواجه بعضها البعض على مدار نحو شهر، وعلى أرض غير حيادية تخوض مبارياتها الساخنة، ويشهد كل منها تشجيعاً من قِبل ملايين إما حباً لها وإما نكاية في الفريق المضاد.
وتلعب وتناور وتهاجم وتدافع، ومنها من يحرز أهدافاً في مرمى الخصم، ومنها من يخفق في ذلك، وبينها من يحقق فوزاً رائعاً، وبينها أيضاً ما يمنى بهزيمة ثقيلة وخيبة كبيرة.
تتصاعد أصوات من أرض «المعركة» تتهم حكماً بالمحاباة، أو تطالب مسؤول الـ«فار» بالمراجعة، أو الاحتكام للجنة محايدة، تشكيكاً في هدف احتسب، أو مطالبة بالتدقيق في ركلة ترجيح.
تتعالى صيحات الغضب منددة بتصرف الحكم، وتصدح هتافات الفرحة مشيدة بقرارته. يتبارى المحللون والخبراء في تحليل وتفسير وتفنيد «معركة» الأمس، ويتوقعون ويتكهنون بنتائج «معركة» الغد، فلا يتعرضون للتخوين أو التشكيك، وإن تعرضوا، فإنها تصنف تحت بند «اختلاف الآراء الذي لا يفسد للمعركة قضية».
حتى أرض «المعركة»، أبعد ما تكون عن الحياد، فبينها وبين البعض من الأمم المتصارعة ما صنع الحداد، وبينها وبين أخرى خلافات ما أنزل الله بها من سلطان. سبقت المعارك مشاحنات لفظية، وكذلك تراشقات تهديد ووعيد، بل إن البعض الآخر سبقته وتزامنت معه حرب ضروس لم تلملم أغراضها وترحل بعد، ألا وهي حرب إيران.
بالطبع، مَثّل سفر وإقامة وتنظيم مباريات بعض الأمم الـ48 نقاط جدل وشد وجذب وخلافاً واختلافاً وإثارة وغضباً، لكن العبرة بالخواتيم. تشهد ملاعب الولايات المتحدة الأمريكية فعاليات كأس العالم على مدار ما يقرب من شهر.
والخلافات التي تنشأ على أرض الملعب يجري حلها بناء على قواعد يعرفها الجميع، والتقييمات المختلفة والآراء المتباينة يجري حسمها بتقنيات حديثة أو الاضطرار للإذعان لقرارات مسؤولي «حلبة القتال» أو أرض الملعب، لأنه لا بديل عنها، ولأن عدم الاحتكام إليها يعني الخروج من أرض الملعب، لا منتصراً أو منهزماً بحسب الأداء والأهداف، ولكن خاسراً للمباراة، وربما محروماً من مشاركة مستقبلية، أو إقصاء كلياً.
لماذا لا تتبع السياسة وقراراتها وخلافاتها، وما ينجم عنها من صراعات وحروب قواعد كرة القدم، فلا تراق دماء، أو تفتت دول، أو تدمر بنى تحتية، أو تخرب مصائر، أو تشرد شعوب، فقط يحتكم الجميع لقواعد منصوص عليها، واتفقت كل الأمم المشاركة على اتباعها واحترام قراراتها، وعلى من يعترض أن يترك أرض الملعب، ويرتضي بما تقرره اللجان المختصة.
الحكم يحكم بموضوعية، وحين يلوح ببطاقات حمراء أو صفراء في وجوه اللاعبين، لا يفعل ذلك بناء على خلافات عقائدية، أو اختلافات أيديولوجية، أو معارك شخصية لأنه لا يستلطف هذا أو لا يحب ذاك، أو هكذا يفترض.
ووقت المعركة، أو المباراة، محدد ومعروف سلفاً، وفي حال تم تمديده فإن التمديد يتم بناء على قواعد، ومدته أيضاً محكومة بقيود.
وحين يفوز فريق ويخسر آخر، فإن الفريق الخاسر، مهما بلغ من قوة عضلية، لا ينتقم بغزو أرض الفريق المنتصر، أو يقرر سلبه موارده، أو يجبره على اتباع سياسات دون غيرها، وإن جار عليه بشكل أو بآخر فالعقوبات تنتظره، والحرمان من الاستمرار في اللعب عاقبته وعقوبته.
يقال إن الفرق بين السياسة وكرة القدم، أن الأولى صممت بحيث يكون هناك دائماً فريق فائز وآخر خاسر. والحقيقة أن هذا هو وجه الشبه المؤكد بينهما. في السياسة، كما نعيشها ونتابعها، دائماً هناك فائز وخاسر، ومدرجات مليئة بالمشجعين والمتابعين.
وكل منهم له رأي وموقف وتحليل لما يجري في أرض الملعب، لكن تظل أرض الملعب خاضعة فقط لقواعد اللعبة وقوانينها التي اتفق الجميع على اللعب بناء عليها واحترام حكامها والإذعان لأحكامهم.
صحيح أن الكثير يقال حول «الدفعة القوية» التي حصل عليها المنتخب الأمريكي، بعد ما قررت الـ«فيفا» تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف على المهاجم الأمريكي فلوريان بالوغون، إلا أن تدخلاً سياسياً نادراً في قرار كروي لا يفسد لقواعد اللعبة المطبقة على الجميع قضية.
ويكفي أن أمريكا خسرت أربعة – واحد أمام بلجيكا رغم عودة مهاجمها. إنها كرة القدم في أروع تجلياتها بأقل قدر ممكن من السياسة.