بعد استقالتي من قناة «الجزيرة» كنت أستعد للعودة إلى الولايات المتحدة، حيث عملت سابقاً في قناة «الحرة»، وحين تلقيت عرضاً من مؤسسة دبي للإعلام، قلت لنفسي إنها فرصة أقضي خلالها عامين إضافيين في العالم العربي قبل أن أعود إلى واشنطن لمواصلة مسيرتي.
كم أنا سعيدة أنني كنت مخطئة في تقديري، فدبي تعيد كتابة خطط من يأتي إليها. يصل كثيرون بنية البقاء لعام أو عامين، ثم تتحول السنوات إلى حياة كاملة، وحتى من تضطره الظروف إلى المغادرة يحمل معه رغبة دائمة في العودة.
«Dubai is Home» في البداية ظننت أن الأمر مجرد انطباع شخصي، ثم اكتشفت أن ما يصفه الناس شعوراً، يصفه الاقتصاديون اليوم فلسفة تنموية حولت جودة الحياة من نتيجة طبيعية للنمو إلى إحدى أدوات صناعته.
في الاقتصاد التقليدي تأتي جودة الحياة في آخر السلسلة، تنمو الثروة فتتحسن الخدمات ويصل الرفاه تدريجياً، لكن دبي قلبت هذا الترتيب وجعلت جودة الحياة في مقدمته، الإنسان يأتي أولاً فتتبعه الشركات ويتبعها رأس المال ويتولّد النمو.
هذا الأسبوع اعتمد المجلس التنفيذي حزمة مشاريع بثمانية عشر مليار درهم تحمل عنواناً واحداً: تعزيز جودة الحياة وتشكيل المستقبل، تمتد من الثقافة والتخطيط الحضري إلى النقل والاستثمار والتوطين.
وتتضمن ممراً استراتيجياً موازياً لشارع الشيخ زايد بطول خمسة عشر كيلومتراً يخدم 2.6 مليون إنسان ويخفّض زمن التنقل واحداً وخمسين بالمئة خلال ساعات الذروة.
القرار جاء ضمن دورة ميزانية 2026 إلى 2028 بإجمالي 302 مليار درهم، هي الأكبر في تاريخ الإمارة، ويعكس منهجية ترى في البنية التحتية للحياة اليومية استثماراً اقتصادياً مباشراً، وأداة لتثبيت السكان واستقطاب الكفاءات قبل أن تكون خدمة اجتماعية.
أجندة دبي الاقتصادية D33، التي تستهدف مضاعفة حجم الاقتصاد بحلول 2033 ضمن مستهدفات اقتصادية تراكمية تبلغ 32 تريليون درهم، وضعت جودة الحياة في صميم رؤيتها، بالتوازي مع الأجندة الاجتماعية 33 واستراتيجية جودة الحياة 2033 التي تضم أكثر من مئتي مشروع تعيد تصميم الأحياء، وتوسع المساحات الخضراء والثقافية، وتطور منظومة التنقل والصحة.
وبحلول 2040 ستتوسع المساحات الثقافية والسياحية بأكثر من 130%، وسيستحوذ التنقل المستدام بأشكاله المختلفة على نحو 45% من إجمالي الرحلات، وحتى الصحة أصبحت جزءاً من هذه المنظومة بعد إنشاء هيئة دبي لإطالة العمر الصحي، التي تتولى تطوير منظومة اقتصادية متكاملة تشمل البحث العلمي، والتجارب السريرية، والتصنيع الدوائي، والسياحة العلاجية، بما يجعل طول العمر الصحي قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته.
الأرقام تؤكد أن هذه المعادلة تعمل، ففي الربع الأول من 2026 وبينما كانت المنطقة بأكملها مستهدفة بالصواريخ الإيرانية، سجّلت 775 شركة جديدة حضورها في مركز دبي المالي العالمي بزيادة اثنين وستين بالمئة، ومئة وثمان وخمسون مؤسسة عائلية اختارت دبي مقراً لإدارة ثرواتها بزيادة تجاوزت مئة بالمئة.
والقطاع العقاري سجّل مبيعات بمئتين وستة وثمانين مليار درهم خلال النصف الأول من العام وهو ثاني أعلى نصف سنوي في تاريخ الإمارة، ودبي صعدت إلى المركز السابع عالمياً على مؤشر المراكز المالية العالمية وهو أعلى تصنيف في تاريخها.
أربعة ملايين إنسان من أكثر من مئتي جنسية بقي معظمهم خلال الحرب واختاروا هذه المدينة مرة أخرى، ورأس المال يعرف كيف يقرأ هذه الإشارات أكثر من أي استطلاع أو تقرير، وحين أطلقت الحكومة حزم دعم اقتصادي بمليارين ونصف المليار درهم خلال الأزمة، خصصت جزءاً جوهرياً منها لتسهيل الإقامة واستبقاء الكفاءات وتعزيز القطاعات التي تصنع التجربة اليومية للسكان.
المدن الكبرى تنافست تاريخياً على الموقع والحوافز الضريبية والتكلفة المنخفضة، لكن المنافسة في القرن الحادي والعشرين تحولت نحو التجربة الإنسانية اليومية، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أصبحت تقيس رفاهية المدن إلى جانب ناتجها المحلي، ومؤشر المعهد الدولي للتنمية الإدارية وضع دبي ضمن أفضل خمس مدن ذكية في العالم عام 2025، ودبي سبقت هذا التحول وحوّلته إلى سياسة رسمية وميزانيات ومؤسسات قبل أن يتحول إلى إجماع دولي.
جئت إلى هذه المدينة بخطة عامين وبقيت سبعة عشر عاماً، وأعرف أن ملايين القصص تشبه قصتي، أناس جاؤوا من كل مكان في العالم لفترة فوجدوا وطناً. جودة الحياة هي الاستفتاء الأصدق، تصويت يومي يدلي فيه الناس بحياتهم وقراراتهم ومستقبل أبنائهم، ودبي تفوز بهذا الاستفتاء كل صباح بأربعة ملايين صوت من مئتي جنسية.