إرث الإمارات الذي لا يتغير

لم تأتِ من فراغ المساعدات الإنسانية التي أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بإرسالها إلى فنزويلا في أعقاب زلزاليها المزدوجين، وإنما تعبيراً عن نهج متأصل في عقيدة الدولة وكيانها، بُني على إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتستمر اليوم كجسر ثابت يربط الدولة بالعالم في أحلك الظروف.

وبينما ينشغل العالم بالأزمات الجيوسياسية التي تتقاذفه، والسرديات التي تتصارع فيه، يبرز نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة الاستثنائي في العمل الإنساني، مضيئاً شمعة أمل في عالم السياسة الدولية المكفهر.

ولعل نظرة فاحصة على خريطة المساعدات الإماراتية دولياً تكشف حقيقة واحدة لا لبس فيها؛ وهي أن العمل الإنساني بالنسبة للإمارات لم يكن يوماً رد فعل عابراً، بل مسألة مبدأ والتزام أخلاقي وإنساني متواصل.

ورغم محاولات التشويه أو «ضجيج السوشيال ميديا» الذي يسعى أحياناً لربط المساعدات بأجندات سياسية، فإن الواقع الميداني يثبت أن بوصلة هذه المساعدات أخلاقية ثابتة لا تحيد عن هدفها الأسمى؛ إنقاذ الإنسان؛ دون تمييز بناء على اللون أو الجنس أو العرق أو الدين.

ولعل تجربة المساعدات الإماراتية في قطاع غزة تمثل نموذجاً متكاملاً لمفهوم العمل الإنساني بالنسبة لهذه الدولة المعطاءة. فحين تعطلت سبل الحياة وضاقت آفاق العيش، لم تكتفِ الإمارات بتقديم «المساعدات الإغاثية التقليدية»، وإنما انتقلت إلى استراتيجية «التواجد الميداني النوعي».

فقد أطلقت الدولة عملية «الفارس الشهم 3»؛ والتي تحولت من مجرد حملة إغاثية تقليدية إلى جسر جوي وبري وبحري متواصل، كَسَر الحصار المفروض على المساعدات.

وقد أقام الإماراتيون مستشفى ميدانياً متكاملاً داخل غزة وآخر عائماً قبالة سواحل العريش المصرية، مجهزين بأحدث التقنيات الطبية لاستقبال آلاف الجرحى والمصابين الذين عجز النظام الصحي المنهار عن معالجتهم. فيما واصل مستشفى الإمارات للولادة الذي بنته مؤسسات الدولة عام 2004 تقديم خدمات الأمومة والطفولة للنساء الفلسطينيات.

ولم يقتصر دعم الإمارات للأشقاء الفلسطينيين على الغذاء والدواء، بل امتد ليشمل البنية التحتية للحياة؛ متمثلة في إنشاء محطات تحلية المياه داخل وخارج القطاع لضمان استمرار مقومات البقاء الأساسية في ظل ظروف معيشية قاسية جداً.

ويثبت حجم العمليات التي تقودها الإمارات في غزة أنها لا تبحث عن «الشو الإعلامي»، بل عن الأثر الحقيقي، فإرسال آلاف الأطنان من المساعدات الطبية والغذائية بشكل يومي ومستمر يمثل دليلاً لا يقبل الشك على أن التزام الإمارات تجاه الشعب الفلسطيني هو التزام أخلاقي وتاريخي لا يتزحزح.

أما في السودان؛ حيث يشتعل جانب آخر من صراعات الإقليم، فقد برز الدور الإماراتي هناك كنموذج لإدارة الأزمات الإنسانية المعقدة. وفي الوقت الذي واجه فيه السودانيون أزمات نزوح ولجوء غير مسبوقة، كانت المبادرات الإماراتية حاضرة بقوة؛ تحت عنوان الوقوف مع الأشقاء في زمن المحنة.

حيث دعمت الإمارات بشكل مباشر مخيمات اللاجئين السودانيين في دول الجوار؛ مثل تشاد، موفرة ملاذات آمنة، غذاءً، وخدمات طبية لعشرات الآلاف من الإخوة السودانيين.

ويعكس استمرار عمل المستشفيات الميدانية الإماراتية في المناطق التي يشتد فيها الصراع إصرار الدولة على البقاء قريباً من المحتاجين مهما كانت المخاطر الأمنية.

لكن الإمارات لا تقدم المساعدات ثم تغادر؛ بل تبني منظومة دعم مستدامة تستمر مع استمرار الأزمة، ما يضمن تدفق الغذاء والدواء للفئات الأكثر ضعفاً.

ولعل التواجد الإماراتي في السودان يمثل أبلغ رد عملي على كل محاولات التشكيك. فلا يمكن لأي جهة أن تنكر واقع المستشفيات التي تعالج الآلاف، أو القوافل التي تصل إلى مناطق يصعب الوصول إليها، إلا من اختار أن يغمض عينيه عن الحقيقة.

ومهما واجهت وتواجه السياسة الإنسانية الإماراتية من حملات منظمة بين الحين والآخر تهدف إلى تشويه صورتها عبر التشكيك في دوافعها، فإن الحقيقة ستبقى ساطعة كالشمس فلا يمكن للتشكيك أن يصمد أمام الحقائق المادية على الأرض.

فلأن المساعدات الإماراتية تتصف دائماً بالاستمرارية؛ نجد أنها لم تتوقف أو تتأثر بتقلبات السياسة، بل زادت وتيرتها كلما زادت حدة الأزمات.

ولحرص الإمارات على التخصص والنوعية في عملها الإنساني نجد أنها لا ترسل معونات عشوائية، وإنما ترسل ما تحتاجه الميادين فعلياً من مستشفيات، ومحطات مياه، وأطقم طبية متخصصة، ما يعكس إدارة إنسانية محترفة.

وعلى الرغم من الضغوط ومحاولات الابتزاز والتشويه، يبقى الحياد عنواناً رئيسياً للعمل الإنساني الإماراتي؛ تظل بوصلته موجهة نحو الإنسان أولاً، حيث تتجاوز المساعدات أي اعتبارات سياسية ضيقة، لتصب مباشرة في مصلحة الشعوب المتضررة.

ومن يتأمل مسيرة الإمارات الإنسانية يجد أنها أصبحت ثابتاً لا يتغير في معادلة المنطقة والعالم. فهذه دولة اختارت أن تلعب دور صمام الأمان في الأزمات. ومهما تكاثرت محاولات التشويه، فإنها ليست سوى كلمات عابرة في الفضاء الرقمي، بينما تظل المساعدات الإماراتية حقائق ملموسة على الأرض تُنقذ أرواحاً، وتُداوي جروحاً، وتُبقي على الأمل في غدٍ أفضل.

وسواء تحدثنا عن غزة والسودان، أو اليوم في فنزويلا أو في أي بقعة يحتاج فيها الإنسان إلى الإغاثة، تظل بصمة الإمارات واضحة؛ عبر مساعدات قائمة على العطاء غير المشروط، والتزام أخلاقي تاريخي لا يعرف التردد.