السنع الإماراتي أصالة وهوية

إن الأمم الراقية هي التي تحسن قراءة تاريخها، وتعتز بموروثها الأصيل، وتجعل من قيمها الاجتماعية النبيلة جسراً متيناً يصل الماضي التليد بالحاضر المجيد، ويحمل الأجيال نحو مستقبل مشرق تتجذر فيه الهوية وتزدهر، واليوم حين نتأمل التجربة الإماراتية الفريدة نجد أن هذا الوطن المعطاء قد أدرك مبكراً أن نهضة العمران تحتاج إلى نهضة موازية في القيم والأخلاق، وأن الإنسان المتمسك بأصالته هو الثروة الحقيقية التي تُبنى بها الأوطان، وتصان بها المكتسبات، وتُنسج بها أروع قصص التميز والريادة.

ومن هنا يبرز السنع الإماراتي كعنوان ناصع للهوية الوطنية، ومنظومة قيمية متكاملة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، فالسنع الإماراتي مدرسة سلوكية عريقة، تعلّم الإنسان كيف يتحدث فيحسن الحديث، وكيف يستمع فيجمل الإنصات، وكيف يستقبل الضيف فيكرم وفادته، وكيف يوقر الكبير ويعطف على الصغير، وكيف يمد يد العون لكل محتاج، فهو خلاصة تجربة إنسانية عميقة صقلتها البيئة، وهذبتها الفطرة السليمة، وأنارتها تعاليم الدين الحنيف، حتى غدا هذا الموروث الاجتماعي الرفيع سمة أصيلة تميز أبناء هذا الوطن في مجالسهم ومحافلهم، وفي حلهم وترحالهم.

ولقد كان المجلس الإماراتي عبر التاريخ مدرسة السنع الأولى، ففي أرجائه العامرة تعلمت الأجيال آداب الحديث وطرائق الكلام، وفنون الضيافة ودلالات فنجان القهوة الذي يقدم بحفاوة تفيض ترحيباً وكرماً، وفي رحابه ترسخت قيم تبادل الآراء والتشاور، والحوار والتحاور، وغُرست في النفوس معاني التواضع والاحترام، وهكذا ظل المجلس حاضناً للقيم، وجامعاً للقلوب، وميداناً تتناقل فيه الحكمة من الآباء إلى الأبناء، بمحبة غامرة وترابط متين، تجعل من كل لقاء درساً في التآلف والتواصل والعطاء، ومن كل جلسة منارة للرأي والحكمة وتلاقح العقول.

إن السنع الإماراتي يتجاوز في مضمونه حدود المظاهر والشكليات، ليلامس جوهر الشخصية الوطنية السوية، فهو منظومة سلوك وأخلاق، وميزان ذوق ورقي، يضبط تعاملات الإنسان مع والديه وأهله وجيرانه ومجتمعه، ويرسم له طريق التعامل الأمثل في كل مقام وموقف، ولذلك نرى أثره الجميل بادياً في احترام الصغير للكبير، وفي تقدير الكبير للصغير، وفي حسن الجوار، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، والحرص على صلة الأرحام، وهي قيم أصيلة راسخة جعلت المجتمع الإماراتي مجتمعاً متلاحماً متراحماً، يعيش أبناؤه وكل من يقيم على أرضه الطيبة في وئام وانسجام.

ولقد أولت قيادتنا الحكيمة هذا الموروث القيمي العريق عناية استثنائية، إدراكاً منها أن الحفاظ على الهوية الوطنية صمام أمان للمجتمع، وضمانة راسخة لاستدامة النهضة الحضارية الشاملة، فجاءت المبادرات الوطنية والبرامج التعليمية والفعاليات التراثية لتغرس السنع في نفوس الناشئة، ولتقدمه للأجيال الجديدة بأساليب عصرية جاذبة، تمزج بين عبق الماضي وروح الحاضر، وامتد الاهتمام بذلك عبر المؤسسات الوطنية اوحينما يتأمل العالم اليوم التجربة الإماراتية المميزة في تكريس السنع فإنه يقف أمام نموذج حضاري ملهم يستحق الإعجاب والتقدير، فدولة الإمارات فتحت أبوابها لأكثر من مائتي جنسية تعيش على أرضها بأمن وأمان، وحافظت في الوقت ذاته على هويتها الأصيلة وقيمها الراسخة، لتقدم للبشرية درساً بليغاً في التوازن الحضاري الرشيد، فالانفتاح على الثقافات رافد للمعرفة والتقدم، والتمسك بالأصالة حصن للشخصية الوطنية من الذوبان، وهكذا أثبتت التجربة الإماراتية أن الهوية الوطنية الأصيلة تزداد رسوخاً كلما ازدادت تواصلاً مع العالم، وأن السنع الإماراتي بما يحمله من قيم التسامح والاحترام والكرم أصبح لغة إنسانية راقية يفهمها كل من وطئت قدماه هذه الأرض المباركة، ورسالة حضارية تعبر عن هذا الوطن وأخلاق أهله الكرام.

ومن أجمل ما يلمسه الإنسان أن السنع الإماراتي حاضر بقوة في المحافل الدولية، فالدبلوماسي الإماراتي يحمل قيمه أينما حل، والطالب المبتعث يمثل وطنه بأخلاقه قبل شهاداته، ورجل الأعمال الإماراتي يتعامل بمصداقية وأمانة تعكس معدن هذا الشعب الأصيل، وحتى في المنجزات الكبرى التي تحققها الدولة في ميادين الفضاء والاقتصاد والتكنولوجيا يبقى الإنسان الإماراتي بسنعه وتواضعه وأصالته هو العنوان الأبرز والأثر الأجمل، ليؤكد للعالم أن التقدم العلمي والتمسك القيمي صنوان يجتمعان في شخصية أبناء زايد الخير، الذين ورثوا عن الوالد المؤسس، طيب الله ثراه، حكمة العقل وسخاء اليد وطيب المعشر، ليظل السنع الإماراتي هوية راسخة تزهو بها الأجيال في مسيرة هذا الوطن الشامخ المعطاء.

إن السنع الإماراتي سيظل هوية راسخة تزهو بها الأجيال، ومنارة قيمية تسترشد بها النفوس في كل زمان ومكان، وستبقى دولة الإمارات بقيادتها الحكيمة وشعبها الوفي حارسة أمينة على هذا الإرث العظيم، تنقله للأجيال غضاً طرياً، وتقدمه للعالم نموذجاً إنسانياً ملهماً.