بين الفجيرة وأبوظبي انطلقت هذا الأسبوع أول رحلة ركاب لقطار الاتحاد، قاطعة المسافة في ساعة وخمس وأربعين دقيقة، في ظاهرها تبدو رحلة ركاب عادية، لكنها تفتح فصلاً جديداً في العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد داخل دولة الإمارات. الخط الذي يمتد نحو تسعمئة كيلومتر ويربط إحدى عشرة مدينة، ويمتد من الغويفات على الحدود الغربية إلى الفجيرة على الساحل الشرقي، يتجاوز وظيفة النقل ليصبح أداة دمج استراتيجي على أعلى المستويات، وارتباطه بالفجيرة يحمل دلالة مضاعفة، فهذا الساحل الذي تحول خلال الحرب إلى المنفذ البديل لصادرات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز، يصبح اليوم محطة رئيسية على شبكة وطنية دائمة تربط الدولة من أقصى غربها إلى أقصى شرقها.
خلال أقل من خمس سنوات، انتقل المشروع من الإعلان ضمن «مشاريع الخمسين» إلى التشغيل الفعلي، عبر 593 جسراً ومعبراً وتسعة أنفاق، وبأسطول يضم ثلاثة عشر قطاراً بسرعة تصل إلى مئتي كيلومتر في الساعة، تتولى تشغيله شركة كيوليس الفرنسية بخبرتها العالمية. الزمن في المشاريع الكبرى أصبح مورداً استراتيجياً في التجربة الإماراتية، تماماً كما هو رأس المال أو التكنولوجيا، ولهذا أصبحت القدرة على تحويل القرار إلى إنجاز مكتمل ضمن دورة زمنية واحدة، سمة راسخة من سمات النموذج الإماراتي.
القيمة الاستراتيجية للمشروع تتجلى في أثره على الاقتصاد والحركة اليومية، فالرحلة بين أبوظبي ودبي تستغرق سبعاً وخمسين دقيقة، وبين دبي والفجيرة تسعاً وستين دقيقة، بينما تحل رحلة شحن واحدة محل نحو ثلاثمئة شاحنة ثقيلة، ويرتبط ميناء خليفة وجبل علي والفجيرة والمناطق الصناعية في الشارقة ورأس الخيمة ضمن ممر لوجستي متصل. اتفاقية الشراكة الممتدة لعشرين عاماً مع DHL تؤكد أن المشروع صُمم ليكون ركيزة لحركة التجارة وسلاسل الإمداد، ويمنح الاقتصاد الوطني شبكة تحول إمارات الساحل الشمالي والشرقي من أطراف على الخريطة الاقتصادية إلى محطات فاعلة ضمن سوق وطنية واحدة تتدفق فيها البضائع والكفاءات بكلفة أقل وسرعة أعلى، وتصبح المدن، التي كانت تبدو متباعدة، جزءاً من سوق عمل واحدة، وسوق استثمار واحدة، وإيقاع اقتصادي واحد.
الحرب الأخيرة قدمت الاختبار الذي يكشف القيمة الحقيقية للبنية التحتية، خلال تسعة أيام، نقلت قطارات الشحن أكثر من 459 ألف طن من البضائع ونحو 7900 حاوية، واستمرت الحركة رغم الهجمات الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، وتحوّل جزء من النشاط اللوجستي نحو موانئ الساحل الشرقي بما حافظ على استمرارية سلاسل الإمداد الوطنية. وفي الممر الاستراتيجي ذاته، كان خط أنابيب حبشان – الفجيرة يضخ ما يقارب 1.8 مليون برميل من النفط يومياً نحو ميناء الفجيرة متجاوزاً المضيق المغلق، فتشكلت طبقتان متكاملتان من البنية التحتية، واحدة تحت الأرض وأخرى فوقها، أبقتا الاقتصاد الإماراتي متصلاً بالعالم.
هذا الأداء يؤكد أن الاستثمار في الربط الداخلي يمنح الدولة خيارات أوسع كلما ازدادت البيئة الإقليمية تعقيداً، وأن المشاريع الكبرى تكشف قيمتها الحقيقية في الظروف الاستثنائية.
السكك الحديدية عبر التاريخ ارتبطت دائماً بمراحل التحول الكبرى، القطار العابر للقارات وحّد الأسواق الأمريكية عام 1869 وربط شرق البلاد بغربها، وسكة سيبيريا مدّت أكثر من تسعة آلاف كيلومتر بين موسكو والمحيط الهادئ، وفتحت أقاليم واسعة أمام التنمية والاستثمار.
وفي الإمارات يكتب قطار الاتحاد فصلاً جديداً من هذه التجربة، حيث تتحول شبكة النقل إلى أداة لتعزيز الاتحاد الاقتصادي، وتقريب المدن من بعضها، وجعل الحركة اليومية أكثر انسيابية بين مختلف أنحاء الدولة.
الطموح الذي بُنيت من أجله هذه الشبكة يظهر بوضوح في أهدافها المقبلة، 36.5 مليون راكب سنوياً، وستون مليون طن من الشحن المستهدف بحلول عام 2030، وإسهام يقدر بنحو 145 مليار درهم في الناتج المحلي خلال العقود الخمسة المقبلة، وأكثر من تسعة آلاف فرصة عمل، وخفض يتجاوز 2.2 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً.
وتمتد الشبكة إلى آفاق جديدة عبر مشروع حفيت المشترك مع سلطنة عمان، وخط القطار فائق السرعة بين أبوظبي ودبي، بينما وقعت باراغواي مذكرة تفاهم للاستفادة من التجربة الإماراتية في تطوير قطاع السكك الحديدية.
قبل أعوام مدّت الإمارات أنابيب تحت الصحراء لتتجاوز مضيقاً قد يغلق، واليوم تمدّ قضباناً فوقها لتختصر المسافات بين مدنها، والدول القوية تُقاس بعدد الخيارات التي تبنيها قبل أن تحتاج إليها.