من العوير إلى الصفوح

قبل أيام كنت أقود سيارتي من منطقة العوير باتجاه منطقة الصفوح، وبينما كنت أتنقل بين الطرق والجسور والتقاطعات، كنت أتابع المسار على تطبيق الخرائط كعادة أصبحت مألوفة في حياتنا اليومية.

لكن ما لفت انتباهي هذه المرة أمر بسيط؛ فكلما اقترح التطبيق طريقاً بديلاً، وجدت أن الفرق في الزمن أو المسافة بين المسارات المختلفة يكاد لا يُذكر. عندها شعرت أن ما نراه من تنقل سلس ليس وليد طريق واحد، بل ثمرة شبكة متكاملة من الطرق والجسور التي تعمل كنسيج واحد يخفف الضغط ويوزع الحركة بانسيابية لافتة.

ومن شارع إلى آخر، ومن جسر إلى جسر، ومن مخرج إلى تقاطع، كنت أشعر أن المدينة لا تقطّعك بين أجزائها، بل تقودك بينها برفق، وكأنك تسير في مسار واحد طويل لا يتوقف.

نعم، قد يحدث ازدحام في بعض الأوقات، وهو أمر طبيعي في مدينة عالمية تنمو بوتيرة متسارعة وتستقطب ملايين السكان والزوار، لكن هذا الزحام غالباً ما يكون مؤقتاً، ومحصوراً في أوقات أو مواقع محددة، وسرعان ما تعود الحركة إلى انسيابها المعتاد. فالمدن لا تُقاس بغياب الازدحام، بل بقدرتها على امتصاصه وإدارته وإعادة تدفق الحركة بسلاسة.

أثناء تأملي للطريق، أدركت أن مثل هذا الانسياب لا يمكن أن يكون وليد الصدفة. فخلف هذه الشبكة الممتدة من الجسور والطرق والتقاطعات، تتجلى رؤية بعيدة المدى، ورعاية مستمرة من قيادة آمنت بأن بناء المدن لا يكتمل إلا حين يصبح الإنسان ووقته محور التنمية، وأن جودة الحياة تبدأ من تفاصيل الحركة اليومية قبل المشروعات الكبرى.

ولعل ما يميز هذه الرحلة أيضاً أن الإنسان فيها لا يشعر بثقل المسافة بقدر ما يشعر بخفتها. فالمسافة بين العوير والصفوح، رغم امتدادها، تبدو أقصر مما هي عليه فعلاً، لأن الطريق نفسه جزء من التجربة وليس مجرد وسيلة للوصول.

وهنا يتجلى أثر التخطيط المتكامل الذي جعل من البنية التحتية جزءاً من جودة الحياة اليومية، ومن الحركة داخل المدينة تجربة أقرب إلى السلاسة منها إلى العناء، حتى أصبحت الطرق نفسها لغة صامتة تعبر عن مستوى التطور والتنظيم.

وفي نهاية الرحلة، لم أكن أفكر في عدد الكيلومترات التي قطعتها، بقدر ما كنت أفكر في هذه القدرة المدهشة على جعل مدينة بهذا الحجم تتحرك بهذه الخفة، وكأنها مدينة تعرف كيف تخفف عنك عناء الطريق قبل أن تطلب ذلك.