موقف ثابت مع أمن الإقليم

لعل أهم درس مستفاد من الحرب الأخيرة في الإقليم يتمثل في أهمية العمل المشترك، والتكامل الأمني في المنطقة، للتعامل مع واحدة من أدق المراحل التاريخية، وأكثرها تعقيداً في العصر الحديث، حيث تتداخل الأزمات الجيوسياسية، وتتصاعد حدة المواجهات المسلحة، ما يضع مستقبل الاستقرار والتنمية على المحك.

من هنا جاءت كلمة الإمارات، التي ألقاها معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، خلال الاجتماع الافتراضي التاسع والثلاثين للاتحاد البرلماني العربي، لتقدم رؤية استراتيجية متكاملة، وقراءة استشرافية لمتطلبات المرحلة.

وقد شكل هذا الموقف الإماراتي وثيقة سياسية ودبلوماسية، تؤصل لضرورة إعادة صياغة المقاربات الأمنية في المنطقة، واضعة «بناء نظام أمني إقليمي» في مقدمة الأهداف المستخلصة من الحروب والأزمات الراهنة.

وينطلق موقف الدولة، الذي عبر عنه معالي صقر غباش من تشخيص دقيق للواقع الراهن، بوصفه «مرحلة دقيقة ومفصلية» واختباراً حقيقياً لقدرة المنطقة على الحفاظ على مسارات التنمية والتعايش والسلام، الأمر الذي يعكس إدراكاً إماراتياً عميقاً بأن الصراعات الحالية في المنطقة ليست مجرد أزمات عابرة أو سحابة صيف سياسية، بل هي تحولات جذرية، يعاد فيها تشكيل موازين القوى.

من هنا تكتسب الدعوة لإعادة التفكير في بنية الأمن الإقليمي أهمية قصوى كونها استجابة حتمية لإفرازات الحروب التي أثبتت عدم جدوى الحلول المجتزأة أو المقاربات الأمنية المنفردة لمعالجتها.

وفي الوقت الذي دعت فيه كلمة الدولة إلى تحويل النظام الأمني الإقليمي إلى إطار مستدام من التعاون الثنائي والجماعي، يتجاوز الأطر التقليدية القائمة على التحالفات العسكرية الموجهة ضد أطراف أخرى.

فقد شددت على رؤية الدولة الثابتة أن «الدفاع عن السيادة الوطنية واجب لا يمكن التهاون فيه» يمثل رداً مباشراً على محاولات اختراق دول المنطقة، التي تعرضت لاعتداءات غاشمة في حرب لم تكن طرفاً فيها.

وتقوم رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة، كما عبر عنها معالي رئيس المجلس الوطني الاتحادي، على أن احترام السيادة والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية هما الضمانة الأولى لمنع تحول الإقليم إلى ساحات للحروب بالوكالة،

كما أكدت الرؤية أهمية الحفاظ على أمن الممرات المائية ومصادر الطاقة، وعلى الأخص في ظل ما أظهرته الحرب الأخيرة أن أمن التجارة العالمية والطاقة لم يعد شأناً اقتصادياً معزولاً، بل هو عصب الأمن القومي الإقليمي والدولي، ما يتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً صارماً، يتصدى لأي تهديدات حيوية حماية لهذه الممرات.

وفي الوقت الذي تعرضت فيها الدولة وشقيقاتها لعدوان آثم، قامت به بعض «الجماعات المسلحة العابرة للحدود»، فقد أعادت الدولة التأكيد على أن التصدي لهذه الجماعات يمثل اليوم شرطاً رئيسياً لاستقرار النظام الأمني، نظراً لكون هذه الجماعات تتصرف خارج القانون الدولي، وتعمل على تقويض مفهوم الدولة الوطنية، وخدمة أجندات مغرضة خارجية.

وفي قراءة للدبلوماسية الوقائية الإماراتية أشارت كلمة الدولة إلى أن الإمارات، «بالتعاون مع أشقائها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، انتهجت على الدوام مسار الحوار والاحتواء، وسعت بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية إلى تجنيب المنطقة الانزلاق نحو مزيد من المواجهات والصراعات، انطلاقاً من إيمانها بأهمية ترسيخ الاستقرار ركيزة للتنمية والازدهار».

ويعبر هذا الموقف عن خيار استراتيجي، تبنته الدولة منذ قيام الاتحاد، ويدرك أن الحروب والمواجهات العسكرية، مهما بلغت قوتها، لا تؤدي في النهاية إلا إلى تعميق الأحقاد.

واستنزاف المقدرات البشرية والاقتصادية، ويعكس السعي بالوسائل السياسية والدبلوماسية لتجنيب المنطقة الانزلاق نحو مزيد من الصراعات موقفاً ملتزماً بأن السلام ليس خياراً ثانوياً، بل هو الحاضنة الوحيدة للاستقرار والتنمية.

وفي تذكير بالعلاقة التكاملية بين الاقتصاد والأمن أكد معالي صقر غباش في كلمة الدولة أن استهداف المدن والمنشآت الحيوية والمدنية يمثل تهديداً مباشراً لفرص الازدهار والأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة.

الأمر الذي يستوجب موقفاً دولياً داعماً لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وضمان أمن الدول وسيادتها، لكن الرؤية الإماراتية تعيد التذكير بأن النظام الأمني الإقليمي لا يمكن أن يكتمل أو يستقر بشكل دائم دون حل القضايا المزمنة التي تُستغل لزعزعة الاستقرار.

ولهذا جاء تجديد التأكيد على الموقف الإماراتي الثابت تجاه القضية الفلسطينية، ودعم قيام الدولة المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ليؤكد أن السلام العادل والشامل هو الركيزة الأخلاقية والسياسية لأي نظام أمني مستدام في الشرق الأوسط.

لقد رسمت كلمة دولة الإمارات العربية المتحدة معالم «مقاربة واقعية جديدة»، فرضتها طبيعة الحروب الراهنة، يكون الدرس الأكبر المستفاد فيها هو أن الأمن الإقليمي كل لا يتجزأ، وأن الدول لم تعد قادرة على تحصين نفسها بمعزل عن أمن جيرانها.

من هنا يصبح الانتقال من مرحلة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «تأسيس نظام أمني إقليمي مستدام» قائم على القانون الدولي، واحترام السيادة والمصالح المتبادلة، واجباً استراتيجياً وتاريخياً، يقع على عاتق الحكومات والبرلمانات العربية والخليجية كافة، لضمان العبور بالمنطقة نحو مستقبل، يسوده الازدهار والتعايش السلمي.