الإمارات... النموذج الذي اجتاز الامتحان

«صدمة مؤقتة لنموذج نمو متنوع ومرن». بهذه الكلمات اختصر معهد التمويل الدولي حكمه على أداء الاقتصاد الإماراتي بعد أكثر من مئة يوم من الحرب، المعهد الذي يُعدّ أكبر تجمع للصناعة المالية العالمية ويضم أكثر من أربعمئة مؤسسة مالية كبرى، نشر تقريره «الشرق الأوسط الجديد:

ضغوط الطاقة وإعادة الاصطفاف الأمني» قبيل إعلان الصفقة الأمريكية الإيرانية في يونيو 2026 وبدء العد التنازلي لإعادة فتح مضيق هرمز. كبير اقتصاديي المعهد غاربيس إيراديان أكّد أن الأصول السيادية الإماراتية التي تتجاوز مئتين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي تمنح مساحة واسعة لمواصلة الاستثمار ودعم السيولة.

وأن الأزمة «قد تعزز في نهاية المطاف موقع أبوظبي كمورّد عالمي للطاقة وتسرّع تطور دبي نحو مركز أكثر تنوعاً للتمويل والتكنولوجيا والخدمات»، وتوقّع نمواً بنسبة 4.4 بالمئة للاقتصاد الإماراتي خلال العام المقبل.

معهد التمويل الدولي أصدر تقريره بعد أكثر من ثلاثة أشهر من العدوان الإيراني وإغلاق مضيق هرمز واستهداف المنشآت الحيوية، ومع ذلك تعامل مع ما تمر به الإمارات بوصفه محطة عابرة ضمن مسار اقتصادي أعمق من الأزمة ذاتها، هنا تحديداً تظهر قيمة القرارات التي اتُّخذت خلال سنوات الهدوء.

فكل قرار استراتيجي اتخذته الإمارات كان يبدو مستقلاً بذاته، اتفاقيات تجارية وخطوط أنابيب ومفاعل نووي وصناديق سيادية وتحولات صناعية. الحرب كشفت أن هذه القرارات كانت طبقات حماية متراصة ضمن هندسة اقتصادية متكاملة صُمّمت للصمود عند اجتماع الأزمات في آن واحد، وهذا ما وقع فعلاً منذ فبراير 2026.

التنويع الاقتصادي الذي بنته الإمارات خلال سنوات السلم أظهر قيمته الحقيقية حين تعرّضت المنطقة لأكبر اختبار في تاريخها الحديث. قبل أسابيع من الحرب أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن التجارة الخارجية غير النفطية تجاوزت تريليون دولار لأول مرة في التاريخ بنمو بلغ سبعة وعشرين بالمئة، رقم يعني أن الاقتصاد الإماراتي بات يملك مسارات تجارية متعددة تحميه من الاعتماد على ممر واحد أو شريك واحد، وأن خمسة وتسعين بالمئة من مستهدفات التجارة الخارجية ضمن رؤية «نحن الإمارات 2031» تحققت قبل موعدها بخمس سنوات، ست وثلاثون اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع دول تضم ثلاثة مليارات نسمة.

وصادرات غير نفطية قفزت خمسة وأربعين بالمئة، واقتصاد تسهم قطاعاته غير النفطية بسبعة وسبعين بالمئة من ناتجه المحلي، أرقام سُجّلت قبل انطلاق أول صاروخ إيراني باتجاه دول الخليج.

التقرير أشار أيضاً إلى أن خروج الإمارات من أوبك يمثّل تحولاً استراتيجياً كبيراً يعزز مرونة التصدير ويرسّخ سياسة إنتاج مستقلة، وأن النقاشات حول ممرات الطاقة بين الشرق والغرب وتوسيع خطوط الأنابيب والتكامل الأعمق بين الخليج وآسيا اكتسبت زخماً متسارعاً.

مؤكداً أن الصراع يسرّع إعادة تشكيل هندسة الطاقة الإقليمية بأكملها، وخط الأنابيب الثاني الذي يتقدم بنسبة إنجاز خمسين بالمئة هو تجسيد مباشر لهذا التحول الذي يعني أن الإمارات تبني منظومة طاقة مستقلة عن الممرات البحرية التقليدية.

معالي الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة قال قبل أسابيع إن «الإمارات انتصرت في حرب سعينا بصدق لتجنّبها»، انتصار تجلّى في استمرار الحياة اليومية من دون انقطاع، فالأمن الغذائي والمائي والدوائي ظلّ مكفولاً طوال الأزمة.

والخدمات الحكومية استمرت بكافة مستوياتها، ومحطة براكة واصلت توليد خمسة وعشرين بالمئة من كهرباء الدولة بانتظام تام، ومطارات الدولة التي استُهدفت عادت لم تتوقف، وخط أنابيب الفجيرة أبقى النفط الإماراتي يتدفق نحو الأسواق رغم فقدان العالم أكثر من مليار برميل جراء إغلاق المضيق.

القوة الحقيقية لأي منظومة تتجلّى مرتين، الأولى بصمودها تحت الضغط الأقصى والثانية باستخلاصها من التجربة ما يجعلها أقوى، الصفقة تُعيد فتح المضيق، والإمارات التي أثبتت في زمن الحرب أن كل درهم استُثمر في التنويع والبنية التحتية والطاقة النظيفة والصناعة والاحتياطيات السيادية كان يبني صمود الدولة ذاتها وقدرتها على مواصلة النمو حتى في وقت الأزمات، تدخل اليوم مرحلة ما بعد الامتحان بثقة من أثبت أن نموذجه أقوى من أقسى اختبار، تقيّم ما كشفته الحرب، وتتعلّم من تفاصيلها، وتواصل البناء على أسس أكثر قوة واتساعاً.