«براكة»... رهان الإمارات الذي انتصر

عام 1979 توقفت المفاعلات النووية في جزيرة «ثري مايل آيلاند» الأمريكية بعد حادث هزّ الثقة العالمية بالطاقة النووية، ثم جاءت كارثة تشيرنوبل عام 1986 لتدفع حكومات إلى مراجعة أو إبطاء مساراتها النووية لعقود.

فأغلقت ألمانيا مفاعلاتها تدريجياً حتى خرجت بالكامل من الطاقة النووية عام 2023، وجمدت اليابان معظم مفاعلاتها بعد فوكوشيما، وفي ذروة هذا التراجع العالمي كانت الإمارات تتخذ قراراً مختلفاً تماماً، قراراً احتاج قراءة مبكرة لشكل العالم القادم أكثر مما احتاج مجرد مشروع طاقة.

عام 2009 أطلقت الإمارات برنامجها النووي السلمي، وفي سبتمبر 2024 دخلت الوحدة الرابعة من محطة براكة الخدمة التجارية لتصبح الإمارات أول دولة عربية تشغّل أربعة مفاعلات نووية سلمية بالكامل، بقدرة إنتاجية تبلغ 5600 ميغاواط توفّر نحو 25% من احتياجات الدولة الكهربائية.

بعدها بسنوات قليلة عاد العالم نفسه إلى مراجعة حساباته، الحرب الروسية الأوكرانية كشفت هشاشة أمن الطاقة في أوروبا، وأعادت ملف الطاقة النووية إلى قلب النقاش الاستراتيجي العالمي.

ألمانيا عادت إلى مراجعة سياساتها الطاقية تحت ضغط أسعار الغاز وأمن الإمدادات، فرنسا أعلنت أكبر خطة لبناء مفاعلات جديدة منذ عقود، بريطانيا أطلقت أكبر توسع نووي منذ سبعين عاماً، واليابان أعادت تشغيل مفاعلات كانت متوقفة منذ فوكوشيما. العالم تغيّر، بينما كانت براكة تعمل بالفعل.

المشروع منذ بدايته تجاوز فكرة إنتاج الكهرباء، فالإمارات كانت تبني طبقة سيادية جديدة داخل اقتصادها، طبقة تقوم على استقرار الإمدادات في منطقة تعيش واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تقلباً في العالم.

لهذا جاء البرنامج النووي ضمن رؤية طويلة المدى تهدف إلى حماية النمو الاقتصادي من تقلبات أسواق الطاقة والاضطرابات الإقليمية، وفي الوقت نفسه تدعم اقتصاداً يتوسع بسرعة في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وتحلية المياه والصناعة والخدمات الرقمية.

في العقد المقبل سيصبح أمن الكهرباء جزءاً من أمن الاقتصاد نفسه، فمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتحلية والصناعة المتقدمة تحتاج طاقة مستقرة على مدار الساعة وسعراً يمكن التنبؤ به وشبكة قادرة على استيعاب الطلب من دون ربط النمو بتقلبات الأسواق.

هنا تظهر قيمة براكة كأصل استراتيجي، فهي توفر كهرباء قاعدية نظيفة تمنح الاقتصاد الإماراتي مساحة أوسع للتوسع في القطاعات الأعلى استهلاكاً للطاقة، من الألمنيوم والصلب منخفض الكربون إلى الحوسبة السحابية والمدن الذكية.

براكة اليوم تمنع انبعاث أكثر من 22 مليون طن من الكربون سنوياً، أي ما يعادل إزالة نحو 4.8 ملايين سيارة من الطرقات، وأصبحت أكبر مصدر منفرد للطاقة النظيفة في المنطقة.

وتولّد المحطة نحو أربعين تيراواط ساعة سنوياً، بإنتاج يقترب من استهلاك دولة كاملة مثل سويسرا للكهرباء. وفي يناير 2026 أعلنت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية أن المحطة أصبحت توفر 57% من كهرباء المنازل في الدولة.

هذه الأرقام تعكس تحولاً أعمق في طبيعة الاقتصاد الإماراتي نفسه، اقتصاد تُبنى فيه البنية التحتية بعقلية العقود المقبلة بعيداً عن منطق المواسم السياسية والاقتصادية القصيرة.

الأهم أن الإمارات بنت هذا البرنامج وفق أكثر المعايير صرامة عالمياً، عبر شراكة استراتيجية مع كوريا الجنوبية وإشراف مباشر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي إطار ما يعرف بـ«المعيار الذهبي» للبرامج النووية السلمية.

خلال خمسة عشر عاماً طورت الدولة كوادر وطنية متخصصة ومنظومات رقابة وتشغيل وتدريب جعلت براكة تتحول من مشروع محلي إلى نموذج دولي في كيفية بناء برنامج نووي مدني داخل منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً.

وحين سقطت مسيّرة قرب محيط محطة براكة هذا الأسبوع، ظهر الفارق بين دولة تبني منشآت عادية ودولة تبني بنية تحتية مصممة لأسوأ السيناريوهات. الأنظمة التشغيلية واصلت عملها بصورة طبيعية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت سلامة المحطة بالكامل، بينما تعاملت الإمارات مع الحدث بهدوء دولة تعرف تماماً ما الذي بنته خلال خمسة عشر عاماً.

التاريخ غالباً يحتفظ باحترام خاص للدول التي ترى التحولات الكبرى قبل أن تتحول إلى إجماع عالمي، الإمارات استثمرت في الطاقة النووية يوم كان كثيرون يغادرونها، واليوم يدخل العالم مرحلة جديدة عاد فيها أمن الطاقة إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى.

«براكة» في هذا التوقيت تبدو أكثر من محطة كهرباء، تبدو كصورة مكثفة لفكرة كاملة: دولة قرأت المستقبل مبكراً وبنته على أرض الواقع قبل أن يكتشف الآخرون اتجاه الريح. الإمارات بنت محطة براكة لتؤمن مستقبل أجيالها، ومن حاول إطفاء هذا النور اكتشف أنه أكبر من ضربة عابرة وأبقى من لحظة توتر.