الإمارات في زمن إعادة التشكيل.. عقدة سيادية بين المحاور لا تابعة لأحدها

لم يعد ممكناً وصف ما يجري في الاقتصاد العالمي بأنه «أزمة عابرة». ما نشهده هو إعادة هندسة شاملة لنظام دولي قام بعد عام 1991 على قطب واحد، وبدأ يتفكك تحت ضغط التنافس الأمريكي - الصيني، وعودة الجيوسياسية إلى قلب القرار الاقتصادي، وانفجار الأزمات في الممرات البحرية الكبرى من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز. النظام البديل لم يكتمل بعد، والفجوة بين القديم والجديد هي حيث تُصنع، اليوم، الفرص السيادية الكبرى.

في هذه الفجوة بالضبط، تتموضع دولة الإمارات العربية المتحدة، لا كدولة صغيرة تنتظر ما ستؤول إليه الأمور، بل كعقدة اتصال تختار بوعي أن تكون نقطة الالتقاء بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والقديم والجديد. هذا اختيار سيادي، لا حياد سلبي. وله ثمن، وله عائد. والعائد، بدأ يظهر في الأرقام.

لفهم الموقع الإماراتي، يجب أولاً تفكيك مفهوم «إعادة التشكيل» نفسه. النظام العالمي يتغير على ثلاث طبقات، تتحرك كل واحدة منها بسرعة مختلفة.

الطبقة الأولى هي الطبقة النقدية والمالية. الدولار الأمريكي لا يزال يمثل قرابة نصف المدفوعات العالمية، ويحافظ على هيمنته كعملة احتياط رئيسة بفضل عمق أسواقه ومؤسساته القانونية. التراجع تدريجي وليس انهياراً، والحديث عن «نهاية الدولار» سابق لأوانه.

الطبقة الثانية هي الطبقة التجارية. هنا التحول حقيقي وسريع. مجموعة «بريكس» الموسعة، التي باتت تضم أحد عشر عضواً كاملاً وعشرة شركاء، تمثل اليوم نحو 55% من سكان العالم و46% من ناتجه المحلي الإجمالي.

ووفقاً لتوقعات المنتدى الاقتصادي العالمي، ستتجاوز حصتها من التجارة العالمية حصة مجموعة السبع بحلول نهاية هذا العام. متوسط نمو دول «بريكس» في 2024 بلغ نحو 4%، مقابل 1% فقط لمجموعة السبع.

أما الطبقة الثالثة، فهي الأكثر دراماتيكية: التفكك التقني والصناعي. هنا يحدث الانفصال الحقيقي بين منظومتين، في أشباه الموصلات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحرجة، وأنظمة المدفوعات.

«الإمارات لم تختَر بين الشرق والغرب، اختارت أن تكون عقدة الاتصال بينهما. هذا ليس حياداً، بل سيادة فاعلة». فالموقع الإماراتي ليس خطاباً، بل أرقاماً قابلة للتحقق.

ففي عام 2025، بلغت التجارة غير النفطية بين الإمارات والصين رقماً قياسياً عند 111.5 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 24.5%، ضمن مسار نحو هدف 200 مليار دولار بحلول 2030. الصين باتت الشريك التجاري الأول للإمارات، وتعمل على أراضي الدولة أكثر من خمسة عشر ألف شركة صينية، ووفق دراسة شركة «بي دبليو سي» الصادرة في 2025، فإن 79% منها تخطط للتوسع.

في الوقت نفسه، في مارس 2025، أعلنت الإمارات عن إطار استثماري بقيمة 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي على مدى عشر سنوات، تأكد خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أبوظبي في مايو من العام نفسه.

وفي إطار شراكة «تسريع الذكاء الاصطناعي» الأمريكية -الإماراتية، انطلق مشروع «ستارجيت الإمارات» بقدرة خمسة جيجاواط، ليكون أكبر تجمع حوسبة للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، ويخدم منطقة اقتصادية تبلغ قيمتها ثمانية تريليونات دولار تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وجنوب آسيا. كل ذلك مع الحفاظ على عضوية كاملة في مجموعة «بريكس» منذ يناير 2024.

هذا التزامن، الذي يُفسَّر أحياناً بقراءة سطحية على أنه «ازدواجية»، هو في الحقيقة جوهر السياسة الإماراتية: تحالف متعدد الطبقات يقوم على فصل قطاعي واضح، لا على غموض؛ فالشراكة التقنية مع الجانب الأمريكي تجري تحت رقابة ومعايير صارمة، تشمل تدقيقات منتظمة من جهات ثالثة. وفي المقابل، تحافظ الإمارات على شراكاتها التجارية والصناعية مع الصين في القطاعات التي لا تتقاطع مع تلك الحساسيات.

الصراع على الممرات.. والإمارات في قلب الخريطة

الصراع الجيواقتصادي اليوم لم يعد على الحدود البرية بالمعنى التقليدي، بل على الممرات البحرية، والموانئ، والكابلات البحرية للبيانات، وسلاسل توريد المعادن الحرجة وأشباه الموصلات. هذه هي «الجغرافيا الجديدة» للنفوذ.

أزمة البحر الأحمر، المستمرة منذ نوفمبر 2023، خفضت حركة سفن الحاويات عبر قناة السويس بنحو 90% في 2024، ودفعت 95% من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مضيفة 10 إلى 14 يوماً لكل رحلة.

ثم جاءت أزمة مضيق هرمز الكبرى مع اندلاع المواجهة الإقليمية في فبراير 2026، لتسجل تراجعاً بنسبة 94.6% في حركة العبور خلال مارس وحده، وهو ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه «أكبر صدمة في تاريخ سوق النفط». وقفز سعر «برنت» بأكثر من 55% في غضون أسابيع.

في هذا السياق العاصف، تبرز ميزة الإمارات البنيوية الفريدة. ميناء جبل علي، الذي حقق إنتاجية قياسية بلغت 15.5 مليون حاوية في 2024 وحل في المرتبة التاسعة عالمياً، يقع جغرافياً خارج مضيق هرمز.

ميناء الفجيرة، على ساحل المحيط الهندي، يوفر بديلاً كاملاً يتجاوز المضيق. وخط أنابيب أبوظبي - الفجيرة يضخ النفط إلى الساحل الشرقي بقدرة تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً.

هذه ليست أصولاً تجارية فحسب، بل أصول سيادية بُنيت بقرار استراتيجي مسبق. أما الممر الهندي - الشرق الأوسط - الأوروبي، الذي أُعلن في قمة العشرين عام 2023، فقد بدأت أعمال بنيته التحتية في أبريل 2025، وتمثل الإمارات عقدته الأولى. وحين تكتمل أجزاؤه، سيقدم بديلاً تحديثياً لطريق الحرير القديم، يربط مومباي بمارسيليا عبر الأراضي الإماراتية والسعودية والأردنية وإسرائيل، ويختصر زمن التجارة بين الهند وأوروبا بنحو 40%.

في عالم تتزايد فيه الاضطرابات، أصبح الاستقرار سلعة نادرة. ولأول مرة منذ عقود، يأتي «الاستقرار المؤسسي» في صدارة معايير اختيار الشركات متعددة الجنسيات لمقراتها الإقليمية، يسبق أحياناً اعتبارات الكلفة والضريبة.

ووفقاً لتقارير متعددة، فإن 76% من الشركات متعددة الجنسيات العاملة في الشرق الأوسط لا تزال تتخذ من الإمارات مقراً إقليمياً، رغم المنافسة الإقليمية المتصاعدة. المنافسة في حد ذاتها صحية ومفيدة للمنطقة، لكنها لم تُزعزع موقع الإمارات، التي تستهدف مضاعفة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التراكمي إلى 1.3 تريليون درهم بحلول 2031.

الأكثر دلالة هو أن البنك الدولي ثبّت في تقرير «الآفاق الاقتصادية العالمية» الصادر في يناير 2026 توقعاته لنمو الاقتصاد الإماراتي عند 5% لعام 2026، ورفعها إلى 5.1% لعام 2027. في وقت تراوح فيه توقعات النمو العالمي بين 3% و3.1%. هذه فجوة أداء معبّرة.

«النفوذ في النظام الجديد ليس مرتبطاً بالمساحة أو السكان، بل بالقدرة على الربط بين المتباعدين، وتحويل الجغرافيا إلى أصل، والتنوع إلى نموذج».

نموذج السيادة المنتجة

ما تبنيه الإمارات اليوم يستحق اسماً دقيقاً: «السيادة المنتجة». هو نموذج يقوم على خمس ركائز متكاملة:

أولاً، تنويع تحوّطي قطاعي. الإمارات تتموضع بشكل قطاعي لا كتلوي. في القطاعات التي تشهد فصلاً حقيقياً بين المنظومتين الأمريكية والصينية، تختار طرفاً وتحكم الفصل. وفي القطاعات التي تظل متشابكة، تتموضع كعقدة تخدم الطرفين.

ثانياً، استثمار في البنية التحتية كأصل جيوسياسي. الموانئ والمطارات والكابلات وخطوط الأنابيب وسكة الاتحاد ومراكز البيانات ليست مشاريع لوجستية، بل أدوات نفوذ. ومجموعة موانئ دبي العالمية التي تدير 78 ميناءً في 56 دولة هي تعبير عن هذا المنطق.

ثالثاً، صناديق ثروة سيادية بحجم استثماري يتجاوز 1.5 تريليون دولار، تتحول من مجرد مصادر سيولة إلى أدوات شراكة استراتيجية في صفقات تشكّل الاقتصاد العالمي، من «ستارغيت» إلى بنوك الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية للطاقة المتجددة.

رابعاً، شبكة اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة تجاوزت 26 اتفاقية، تغطي ثلاثة مليارات نسمة، وأضافت ما يقدر بـ2.6% إلى الناتج المحلي بحلول 2030. الإمارات لم تنتظر منظمة التجارة العالمية لإعادة هيكلة قواعد التجارة، بل بنت شبكتها الخاصة.

خامساً، انفتاح ذكي على المؤسسات البديلة من بريكس إلى بنك التنمية الجديد، مع الحفاظ على الانتماء للمؤسسات التقليدية. تعيين ثريا حميد الهاشمي كأول إماراتية وعربية في مجلس إدارة بنك التنمية الجديد ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل توقيع على معادلة استراتيجية.

بعد عشر سنوات...

حين يُسأل المرء: أين ترى الإمارات بعد عشر سنوات، وسط هذا التشكّل الجيوسياسي والاقتصادي؟ تكون الإجابة الأمينة: لن تكون الإمارات أكبر، لكنها ستكون أكثر تأثيراً.

ستكون عقدة سيادية متعددة الطبقات في نظام عالمي ما بعد القطبية الأحادية. ناتجها المحلي مضاعف عند ثلاثة تريليونات درهم. «ستارجيت الإمارات» مكتمل ويخدم منطقة بثمانية تريليونات دولار.

ممر IMEC مفعّل، وميناء جبل علي بقدرة 25 مليون حاوية. صناديقها السيادية تتجاوز تريليونَي دولار، ومركزاها الماليان (مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي) ضمن أكبر خمسة مراكز مالية عالمية. لكن الأهم من هذه الأرقام، الفكرة التي ستكون الإمارات قد رسّختها:

أن النفوذ في النظام الجديد ليس مرتبطاً بالمساحة أو السكان أو حتى الموارد الطبيعية، بل بالقدرة على الربط بين المتباعدين، وتحويل الجغرافيا إلى أصل، والتنوع إلى نموذج. هذا ما تبنيه الإمارات اليوم. وهذا ما سيُسمى، بعد عشر سنوات، النموذج الإماراتي.

في عالم يجبر الجميع على الاختيار، اختارت الإمارات أن تكون نقطة الالتقاء. وهذا، في حد ذاته، اختيار.