الأمن الغذائي كالتزام سيادي.. بناء مستقبل تجارة اللحوم العالمية

يشهد النظام الغذائي العالمي ضغوطاً متزايدة تتسم بدرجة عالية من التعقيد والأهمية الملحة. ومع استمرار تزايد التعداد السكاني عالمياً، لا سيما في مناطق النمو السريع في آسيا وأفريقيا، أصبح ضمان توفير سلاسل إمداد مستقرة وذات جودة عالية من البروتين تحدياً يتجاوز الجوانب اللوجستية ليصل إلى صميم اعتبارات الأمن القومي. ولم يعد الأمن الغذائي شأناً داخلياً فحسب، بل غدا عنصراً محورياً في تعزيز السيادة الاقتصادية، ودعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز القدرة على التكيف والصمود على المدى البعيد.

ويمثل البروتين محوراً رئيسياً في مواجهة هذا التحدي، بمفهومه الشامل الذي يتجاوز اللحوم وحدها ليشمل طيفاً واسعاً من المصادر الغذائية. فالبروتينات النباتية، مثل الصويا والبقوليات والحبوب، تستحوذ على الحصة الأكبر من الإمدادات العالمية وتشكل دعامة أساسية لمنظومة الأمن الغذائي. وفي المقابل، يعد قطاع الاستزراع المائي والمأكولات البحرية من أسرع قطاعات البروتين نمواً وأكثرها نشاطاً في التجارة العالمية، لا سيما في آسيا والأسواق الناشئة. كذلك، تزايدت أهمية منتجات الألبان والبيض والبروتينات البديلة الحديثة، مع توجه الحكومات والمستهلكين والقطاعات الصناعية نحو تطوير أنظمة غذائية أكثر تنوعاً واستدامة. ويشكل هذا التوجه الشامل الأساس الذي تنطلق منه مبادرة البروتين التي يقودها مركز دبي للسلع المتعددة.

ويتطلب طموح بهذا المستوى الانطلاق من المجالات التي يمكن تحقيق أثر ملموس ومباشر فيها. ومن هذا المنطلق، يدرس مركز دبي للسلع المتعددة، كخطوة أولى، فرص بناء منظومة متكاملة لقطاع اللحوم، نظراً لما يتمتع به هذا القطاع من قيمة عالية وما يواجهه من تعقيدات هيكلية وتجزّؤ في سلاسل الإمداد، إضافة إلى التحديات المرتبطة بقابلية التتبع، وضمان الامتثال لمعايير الذبح الحلال، والتحقق من معايير الاستدامة، وتوفير حلول التمويل التجاري. لذلك، يمثّل قطاع اللحوم نموذجاً مثالياً يمكن للبنية التحتية المؤسسية أن تُحدث فيه تحولاً نوعياً، مع الاستفادة المباشرة من المزايا التي تتمتع بها دبي في مجالات الخدمات اللوجستية، وإعادة التصدير، والمعايير التنظيمية، وتمويل التجارة بشكل فوري.

ولفهم أسباب اختيار قطاع اللحوم كنقطة انطلاق مثالية، لا بد من النظر في التحولات الجارية في مشهد الإنتاج العالمي. فقد اتسمت هذه الصناعة تاريخياً بتركيز جغرافي واضح، حيث هيمنت مجموعة محدودة من كبار المصدّرين، وفي مقدمتهم البرازيل وأستراليا والهند والولايات المتحدة، على حصة كبيرة من الإمدادات العالمية. إلا أن السنوات المقبلة مرشحة لأن تشهد توسعاً ملحوظاً في قاعدة المنتجين الرئيسيين على المستوى الدولي، مع دخول أسواق ودول جديدة إلى دائرة التأثير والإنتاج العالمي.

ومن بين الدول المرشحة للانضمام إلى قائمة كبار المصدّرين خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، تبرز دول مثل باراغواي وأوروغواي بوصفها من أبرز القوى الصاعدة، إلى جانب الصين وروسيا اللتين تشهدان تقدماً ملحوظاً في قطاعي الدواجن. كما تبدو الأرجنتين مهيأة لاستعادة حضورها القوي في الأسواق العالمية ضمن جهودها لإعادة تنظيم سياساتها التجارية. وفي الوقت نفسه، تبرز فرص واعدة في دول مثل أوكرانيا وكازاخستان والمكسيك وتايلاند وتركيا، بشرط نجاحها في تجاوز التحديات الجيوسياسية الراهنة وتطوير بنيتها التحتية.

وفي هذا السياق، يجمع بين هذه القوى الناشئة عدد من العوامل المشتركة الواضحة، إذ تتمتع كل منها بوفرة في المراعي الواسعة أو الأعلاف منخفضة التكلفة، إضافة إلى قدرة تنافسية مرتفعة في أسعار الصرف، وقرب نسبي من مراكز الطلب التي تشهد نمواً متسارعاً. ومع ذلك، لا يكمن التحدي الأساسي الذي تواجهه هذه الدول، أو السوق العالمية بوجه عام، في حجم الثروة الحيوانية، بل في محدودية البنية التحتية لسلاسل التبريد، وضعف أنظمة التتبع، وغياب شهادات الاعتماد الخاصة بخلوّ المنتجات من الأمراض. وبالإضافة إلى ذلك، تبرز فرص نمو واعدة على المدى الطويل في دول مثل إثيوبيا والسودان وتنزانيا وناميبيا، شريطة قدرتها على الالتزام بالمعايير الصحية والصحة النباتية. وفي نهاية المطاف، ستكون الدول القادرة على معالجة هذه التحديات الفنية والهيكلية بسرعة وكفاءة هي الأوفر حظاً في تحسين موقعها ضمن ترتيب المنتجين العالميين. وسيؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل النموذج التقليدي لتجارة اللحوم، الذي كان يعتمد على كثافة أحجام التداول مقابل ضعف مستويات الشفافية، ليصبح نموذجاً أقل كفاءة في صورته الحالية. وفي هذا السياق، أشار مؤخراً سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، خلال مشاركته في فعاليات «المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي» في مدينة العين، إلى أن «دولة الإمارات ماضية في ترسيخ نموذج زراعي حديث يجمع بين الإرث الزراعي الأصيل والتقنيات المتقدمة، بما يعزز الأمن الغذائي ويواكب طموحاتها لمستقبل أكثر استدامة وازدهاراً».

لطالما ارتكزت الميزة التنافسية لدولة الإمارات على قدراتها اللوجستية المتقدمة وشبكاتها الواسعة التي تربطها بمختلف الأسواق العالمية. غير أن مرحلة الريادة المقبلة تتطلب دمج هذه المقومات ضمن إطار موحد يقوم على المعايير والحوكمة. ومن هذا المنطلق، يدرك مركز دبي للسلع المتعددة أن اضطلاع الدولة بدورها الاستراتيجي بكفاءة أعلى يستلزم التوجه نحو بناء منظومة متكاملة تدعم النمو المستدام، وتعزز مستويات الشفافية داخل قطاع البروتين وصناعته العالمية.

ويتماشى هذا التوجه تماماً مع الرؤية التي عبرت عنها معالي الدكتورة آمنة بنت عبدالله الضحاك، وزيرة التغير المناخي والبيئة، بقولها: «لقد تجاوز القطاع الزراعي في الدولة دوره التقليدي، ليصبح محركاً استراتيجياً للتكنولوجيا والابتكار. وتمثل مبادرة «المنتج المستدام» تحولاً كبيراً في نهج الدولة تجاه الأمن الغذائي، حيث تتجاوز مرحلة دعم الإنتاج إلى تعزيز الاستهلاك وخلق الطلب في السوق».

وتكمن نقطة الانطلاق لهذه المنظومة الواعدة في القدرة على توليد قيمة مضافة في المجالات التي تعاني من نقص في الخدمات ضمن السوق الحالي. ومن خلال الاستفادة من منصات مثل منصة «تريد فلو» التابعة لمركز دبي للسلع المتعددة، يمكن توفير حلول متقدمة لإدارة الملكية والضمانات المالية، بما يتيح دعم المخزون الفعلي من اللحوم عبر أدوات تمويل تجاري تتسم بالشفافية والكفاءة. وتسهم هذه الخطوة في تعزيز السيولة النقدية وتقليل القيود التشغيلية عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة. وتأكيداً على دور معرض «جلفود» كمنصة محفزة للتعاون الدولي، وقع مركز دبي للسلع المتعددة ومجموعة «تجمع الإمارات للغذاء» مؤخراً مذكرة تفاهم استراتيجية. وقد أكد صالح لوتاه، رئيس مجلس إدارة «تجمع الإمارات للغذاء»، نجاح استراتيجية التجمع في توحيد جهود الجهات المعنية ضمن القطاعين الحكومي والخاص. وأسهم ذلك في تعزيز مكانة الإمارات كمركز عالمي متقدم وذكي للغذاء، يتمتع بالمرونة والقدرة على مواجهة التحديات المتغيرة في الأسواق العالمية.

وقد أصاب صالح لوتاه تماماً في توصيفه للدور المحوري الذي تضطلع به الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لهذه المنظومة، مؤكداً على أهمية بناء «قطاع موحّد، ومُمكّن رقمياً، وقادر على المنافسة بكفاءة والامتثال للمعايير». وفي هذا الإطار، تهدف منظومة اللحوم التي يعمل مركز دبي للسلع المتعددة على تطويرها إلى تحقيق هذا التصور عملياً في الأسواق العالمية. ومن خلال التحول الرقمي في سلاسل الإمداد ودمج تقنيات التتبع المتقدمة، سيتمكن مركز دبي للسلع المتعددة من تعزيز مستويات الشفافية وضمان توافق الشحنات مع أحكام الشريعة الإسلامية (الحلال)، إلى جانب الالتزام بمعايير الاستدامة والسلامة التي تتطلبها المرحلة المقبلة من التجارة العالمية. وفي نهاية المطاف، سيعتمد مستقبل اقتصاد البروتين العالمي على التحول من سلاسل إمداد مجزأة وغير شفافة إلى نموذج قائم على الوصول المسؤول والخاضع للمساءلة. ومن المتوقع أن تمثل منظومة اللحوم التي يطورها مركز دبي للسلع المتعددة أول ركيزة عملية في هذا الإطار الجديد. واستناداً إلى هذا الأساس، سيكون من الممكن التوسع تدريجياً لبناء منظومة بروتين أشمل تلبي مختلف احتياجات التغذية البشرية، بدءاً من الثروة الحيوانية والدواجن، مروراً بالمأكولات البحرية ومنتجات الألبان، وصولاً إلى البدائل النباتية.

وبالاستفادة من القدرات اللوجستية المتقدمة لدولة الإمارات، إلى جانب خبرات مركز دبي للسلع المتعددة في تطوير منظومات تجارية شفافة، تتوفر الإمكانات اللازمة لقيادة المجتمع الدولي نحو نماذج أكثر استقراراً وأقل هشاشة. إذ لا يقتصر دورنا على تسهيل حركة التجارة فحسب، بل يمتد إلى تطوير البنية التحتية التي تضمن وصول الموارد الاستراتيجية إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً حول العالم. وفي هذا السياق، تمتلك دبي القدرة على قيادة هذا التحول العالمي.