الولاء للوطن

إن الولاء للوطن عقيدة راسخة في النفوس، وفطرة سليمة تنبض بها القلوب، وفريضة دينية وأخلاقية ووطنية تسمو فوق كل انتماء ضيق، ويمثل الانتماء الصادق للوطن صمام أمان يحمي نسيجه المجتمعي من الفتن، ويشكل درعاً حصينة تنكسر عليها كل محاولة بائسة تستهدف وحدة صفه واستقراره، فهو انتماء فطري أصيل، يتجسد واقعاً حياً في صدق المواقف، وصون المكتسبات، والالتفاف حول القيادة الحكيمة، والعمل المخلص من أجل أن يبقى الوطن آمناً عزيزاً، متماسكاً مزدهراً، ثابتاً على قيمه، قوياً بوحدة أبنائه، شامخاً بما غرسه الآباء المؤسسون من معاني الوفاء والبذل والانتماء.

وقد أقام ديننا الإسلامي الحنيف علاقة الإنسان بوطنه على قيم راسخة، وجعل من حفظ الأوطان وصيانة أمنها مقصداً عظيماً وغايةً كبرى، إذ لا تستقيم مصالح العباد ولا تحفظ الضرورات ولا تنهض المجتمعات إلا في ظل وطن آمن مستقر، تصان فيه الدماء، وتحفظ فيه الحقوق، وتستقر فيه الأسر، وتطمئن فيه النفوس، ولذلك جاءت النصوص الشرعية مؤكدة معاني الوفاء بالعهد، وحفظ الأمانة، واجتناب الفساد، والنهي عن إثارة الفتن، وطاعة ولي الأمر في السراء والضراء، والالتفاف حوله في كل وقت وحين، حتى يبقى المجتمع متماسكاً في بنيانه، موحداً في كلمته، عزيزاً بسيادته، قادراً على مواجهة كل فكر دخيل أو ولاء مشبوه أو دعوة مضللة تسعى إلى تمزيق صفه والنيل من أمنه واستقراره.

ومن هنا تتضح خطورة كل ولاء دخيل يتسلل ليزاحم الولاء للوطن، وكل فكر منحرف يحاول أن ينتزع الإنسان من وطنه وقيادته ومجتمعه، ليجعله تابعاً لمرجعية خارجية، أو أداة في يد تنظيم مؤدلج، أو صوتاً في مشروعٍ تخريبي يتربص بالأوطان سوءاً، فإن هذه الأدواء والسموم كلها خناجر مسمومة في ظهور الأوطان، تهدم سلمها الاجتماعي، وتستهدف سلامتها واستقرارها ووحدة صفها، وهي انحراف عن مقتضى الوطنية والدين، وخروج على معاني الوفاء بالعهد وحفظ الأمانة وطاعة ولي الأمر، فالولاء للوطن ميثاق غليظ، وعهد راسخ، وأمانة كبرى، والإخلال به نقض لواجب الوفاء، ومخالفة للهدي الرباني في حفظ العهود وأداء الأمانات، ومن أعظم الأمانات أن يصون الإنسان وطنه من كل ولاء يفت في عضده، أو ارتباط يطعن في سيادته، أو دعوة تزرع الفتنة بين أبنائه.

وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، وقال تعالى في ذم المفسدين: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}، ومن أعظم الفساد أن تُستباح الأوطان باسم شعارات مضللة، أو تُشق عصا المجتمع بدعوات مذهبية وحزبية، أو يجعل الولاء والانقياد لجهات عابرة للحدود تجعل الإنسان عدواً لدوداً لوطنه وقيادته وأهله.

وقد برهنت الأحداث الأخيرة في عدد من الدول على خطورة الولاءات الخارجية والانتماءات الدخيلة، التي تجعل أصحابها أدوات هدامة لتنفيذ مشاريع إجرامية ضد أوطانهم، بعد أن غاب عنهم العقل والضمير، فاستبدلوا نعمة الوطن بأوهام عابرة، ورهنوا مواقفهم لتوجيهات مشبوهة، وتحولوا إلى معاول هدم في جسد مجتمعاتهم، وما أشد الخطر حين يصبح الإنسان غريباً عن وطنه وهو يعيش على أرضه، يتنعم بخيراته، ويأمن في ظله، ثم يمد يده إلى من يتربص به سوءاً، أو يصغي إلى من يريد المساس بأمنه واستقراره، أو ينخرط في مسارات مظلمة لا تورث أصحابها إلا الخسران في الدين، والعار أمام أبناء الوطن، والسقوط في ميزان الشرف والأمانة.

ويفرض الواجب الوطني على الجميع أن يكونوا على قدر هذه الأمانة، وعياً ويقظةً ومسؤولية، وأن يدركوا أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على رجال الأمن والمؤسسات المختصة فقط، وإنما تبدأ من ضمير المواطن، ومن صدق انتمائه، ومن الولاء الصادق الذي يحمله في نفسه تجاه وطنه وقيادته، وهي مسؤولية مشتركة تتشارك فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات المتنوعة، لتنشأ الأجيال على حب الوطن والولاء لقيادته، مدركةً أن المواطنة الحقيقية هي ولاء وانتماء، وبذل وعطاء، والتزام وانضباط، ووعي ومسؤولية، ووقوف صلب في وجه كل من يحاول العبث بأمننا، وصيانة لأبنائنا من كل منفذ يتسلل منه أصحاب الأجندات إلى عقولهم وقلوبهم، ليوقنوا أن العهد مع الوطن ميثاق لا ينقض، والوفاء لترابه فخر لا يضاهى، ليبقى وطننا عزيزاً منيعاً، ومنارة للتنمية والاستقرار والازدهار.

حفظ الله دولتنا وقيادتنا، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.